كاترين دينوف.. جوهرة التمثيل الفرنسية


محمد رضا‬

في سن الثالثة والسبعين لا زالت كاترين دينوف مطلوبة جماهيرياً ومحط ثقة النقاد، بعد كل تلك العقود من العمل المتواصل. كيف نفسر ذلك؟ ما هي العناصر المكوّنة لذلك الإعجاب الكبير الذي يحيط بها وقد تجاوزت، بعقود، مرحلة الشباب والأنوثة؟‬
بسؤال المنتج الفرنسي تييري لانوفو قبل أشهر قليلة قال: «أعتقد أن السر في نجاح كاترين دينوف هو أنها عرفت كيف تبني هيكلاً من الأعمال المميّزة والأدوار التي لا يمكن التفكير بممثلة أخرى أن تقوم بها بالنجاح ذاته».‬
وأضاف: «أعرف كاترين. وأعرف أنها تعبت على نفسها كثيراً، ولم يكن الأمر هيناً على الإطلاق. حتى اليوم لا تنسى أنها موهوبة أولاً وممثلة ثانية ونجمة أخيراً، وهذه هي العناصر الحقيقية للنجاح».‬
ولدت كاترين دينوف في 22 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1943 في مدينة باريس. الحرب العالمية الثانية تدور بقوة في شتّى أرجاء أوروبا والمعارضة الفرنسية للاحتلال النازي اشتدت بقيادة الجنرال شارل ديجول. كل ذلك بالطبع، ووالدا كاترين دينوف يتحاشيان مزج الفن بالسياسة، فهما كانا ممثلين مسرحيين. الأب اسمه موريس دورياك، والأم اسمها رينيه دينوف سيمونو. كاترين اختارت، في سن مبكرة الاسم الثاني لأمها فعرفت لمعظم حياتها الفنية بكاترين دينوف، بينما اشتهرت شقيقتها سيلفي، التي كانت ممثلة وماتت عن 25 سنة في حادثة سيارة، باسم عائلة أبيها: سيلفي دورياك. ‬
كاترين تمثّلت بصنعة والديها منذ أن كانت في الثالثة عشر من عمرها. كان ذلك خلال فترة الستينيات عندما لعبت دوراً صغيراً في فيلم كوميدي بعنوان «فتيات الغسق» وصحبتها شقيقتها سيلفي دورياك في استحواذ هذه الفرصة للوقوف أمام الكاميرا التي أثمرت بدورها عن فرص أخرى، فظهرت كاترين في عدد لا بأس به من الأدوار الصغيرة قبل أن تجد نفسها أمام ذلك المخرج الشاب الذي كان يحاول صنع مستقبل لنفسه واسمه روجيه فاديم. ‬
كان الفيلم الذي يعمل عليه دراما مأخوذة عن رواية مركيز دو ساد بعنوان، «فضيلة ورذيلة»، وفيه واجهت الفنانة الجديدة دينوف ممثلة جديدة أخرى آني جيراردو، التي نالت شهرة واسعة في الستينات وحتى الثمانينات.‬
حدث ذلك سنة 1963 بعد نحو عام على ارتباط المخرج بها عاطفياً وقبل إنجابهما ولدهما كرستيان الذي أصبح ممثلاً بدوره. إلا أن المسؤول الفعلي عن انطلاقتها الفنية لم يكن فاديم، بل المخرج جاك ديماي الذي نصبها بطلة لفيلمه الشهير «مظلات شيربوج» سنة 1964. كان فيلماً موسيقياً غنائياً عذباً خطف قلوب هواة النوع، كما خطفت هي اهتمام المشاهدين الكاسح. بطل الفيلم الشاب نينو كاستيانوفو، اختفى من البريق الذي صاحب الفيلم حين عرض وسرعان ما نسيه الناس. أما دينوف فخرجت من هذه التجربة وقد أصبحت نجمة كبيرة، وكانت لا تزال في الواحدة والعشرين من عمرها.‬

‬وداعة‬

من يتابع مسيرتها يدرك أن نجاحها في «مظلات شيربورج» حتّم عليها مباشرة التفكير في كيف تستطيع أن تحمي نفسها من مصير مشابه لمصير شريكها في البطولة. والذي ساعدها بدرجة كبيرة حقيقة أن السينما في ذلك الحين كانت قد بدأت اتجاهاً فنياً وثقافياً طاغياً عرفت كيف تستفيد منه بالتعاون مباشرة مع أهم الأسماء أمام الكاميرا أو وراءها. فهي ظهرت في أفلام لمخرجين من وزن كبير آنذاك بينهم ادوار مولينارو، وفيليب دو بروكا، وباسكال فيستا كامبينال، وأكملت منذ منتصف الخمسينات مسيرتها تلك فتعاونت مع مخرجين امتدت بهم الشهرة إلى يومنا هذا من بينهم كلود شابرول، ورومان بولانسكي. ‬
في العام 1967 قامت ببطولة «جميلة النهار» للمخرج الأسباني الشهير لوي بونييل. الدور الذي أدته هنا ليس من النوع الذي يمكن نسيانه سريعاً. هي امرأة متزوجة من رجل أعمال ثري لكنها متمردة في فيلم موقع باسم مخرج سوريالي لديه جملة أفكار حول المجتمع والتزمّت. وخوفاً من أن يحدث العمل صدمة سلبية كون الممثلة جسدت شخصية غير إيجابية، وقع العكس وارتفعت أسهمها أكثر مما كانت مرتفعة. ‬
بعد سنوات قال المخرج الراحل عنها: «السبب في أنها لم تتأثر سلباً بدور يشكل لدى المجتمع المحافظ صدمة يعود إلى نوعية أدائها، وكيف عرفت تبقى كاترين التي تؤدي الدور المطلوب منها وتضع مسافة بينها وبين تلك الشخصية».‬
الناقد ميشيل سيمون كتب بعد سنوات أخرى أن كاترين كانت جريئة في هذا الشأن إلى حد أبهر ممثلات أخريات: «شخصياً لا أعتقد أن أي ممثلة أخرى كانت ستستطيع أن تلعب هذا الدور على هذا النحو الخاص حتى ولو كانت ممثلة تساوي كاترين دينوف موهبة. نجاحها يكمن في وداعة وجهها وصدق تعابيرها. إنها المضاد للدور والفوز من نصيبها هي».‬
نجد أن بونييل بعد ثلاث سنوات لم يتأخر عن طلبها مرّة أخرى لبطولة فيلم آخر له هو «تريستانا». هذا المشروع بدأ في أسبانيا وانتهى كفيلم فرنسي بعدما رفضته الرقابة الأسبانية آنذاك. السبب يتلخص في أن المخرج رصد ما رصده كاتب الرواية (بينيتو بيريز غالدوس) من تفكك العلاقات العاطفية بسبب جمال بطلة الفيلم التي ولدت يتيمة في كنف ثري، وعندما كبرت أصبح يريدها زوجة، لكنها تحب شاباً من القرية ما يدفع بالجميع إلى مواجهة عاطفية صعبة.‬

‬الوجه المألوف

مثل هذه الأفلام المنتقاة بعناية جعلتها «جوهرة السينما الفرنسية» كما أطلقت مجلة «باري ماتش» عليها سنة 1970 عندما ظهر الفيلم للعروض وحقق نجاحاً يوازي نجاح «جميلة النهار». هنا بات من الصعب على الممثلة أن تحصى نجاحاتها. ففي الفترة ذاتها، ما بين نهاية الستينات ونهاية السبعينات، كانت محصّنة ضد السقوط التجاري أو ضد فقدانها مكانتها بين جمهورها، سواء الفرنسي أو العالمي. ظهرت في ملحمة اجتماعية عنوانها «مانون 70» لجان أوريل، ثم في الفيلم البريطاني «مايرلينج» أمام عمر الشريف (ومن إخراج ترنس يونج)، كما في الفيلم الأميركي «حمقى أبريل» ومع مطلع السبعينات انتقلت للوقوف في دراما عاطفية تاريخية للمخرج فرنسوا تروفو عنوانها «حورية المسيسبي».‬
بعد «ترستانا» قدمت أول دور بوليسي رئيسي لها، وذلك في إحدى تحف المخرج الفرنسي جان – بيير ملفيل في «شرطي» أمام ألان ديلون، وبعد بضعة أفلام متنوعة ظهرت في فيلم من إخراج الأميركي روبرت ألدريتش وبطولة بول نيومان عنوانه «تحرش».‬
كل هذا وسواه من الأفلام وضعها في شهرة تمتد من فرنسا إلى كل أوروبا وإلى آسيا وأمريكا على حد سواء. كاترين دينوف أصبحت الوجه المألوف للسينما الفرنسية كلها وعندما عادت إلى العمل في فيلم جديد للمخرج الشهير فرنسوا تروفو هو «المترو الأخير» أقنعت من كان لا يزال يسأل نفسه إذا ما كانت بالفعل تستحق كل هذا النجاح. ‬
ليس أن هذا السؤال كان منتشراً كظاهرة، إلا أن من تعرف عليها في سنوات لاحقة، خلال الثمانينات مثلاً، كان لابد له أن يطرح المسألة على نحو الباحث عن السبب وليس عن تقييم النتيجة. ‬
وهي كانت تعلم أنها أصبحت ظاهرة عالمية ولو أنها ليست الظاهرة السينمائية العالمية الوحيدة من نوعها. قبل ثلاث سنوات عندما ظهرت في فيلم «ثلاثة قلوب» وجدناها تقول بثقة: «كنت محظوظة أنني عملت مع مخرجين معروفين وفي فترة كانوا فيها في أوج إبداعاتهم المهنية. الفترة التي كانت فيها رغباتهم في إنجاز أفلام كبيرة ومثيرة للاهتمام توازي رغبتي في تمثيل هذه النوعية بالتحديد»٠‬
هذا ينطلي على بعض أسماء اليوم في السينما الفرنسية فأحد مخرجيها المعتمدين في السنوات الأربعين الأخيرة على الأقل، هو أندريه تاشيني إذ عملا معاً لأول مرّة سنة 1981 حين أخرج من بطولتها فيلم «فندق الأمريكيين». وبعده أنجزا ما لا يقل عن ثمانية أعمال مشتركة. ‬
بالنسبة إليه فإن كاترين دينوف تمثّل له المرأة الفضولية حين تقف أمام الكاميرا: ‬«ما أشعر به حين تقف هذه الممثلة لتمثّل في أحد أفلامي هو أنها لا زالت تحاول اكتشاف نفسها والشخصيات المكتوبة على الورق في آن معاً. ولا تكتفي بأن تنقل ما قرأت بل تريد إضافة شيء ما وهذا ما علينا توقّعه، ولو أنه ليس كل ممثل يفعل ذلك أو يضيف عملياً شيئاً مثيراً».‬
وهو يعرف ما يتحدث فيه لأن أسلوبه بالنسبة لتعامله مع الممثلين بسيط وقوي في ذات الوقت. فبينما تخلو أفلامه من الواقعية يقوم بالتركيز على الممثل ليساعده في دفع الموضوع الرومانسي أو الاجتماعي إلى الأمام.‬ ومن فرط ثقته بدينوف لم يعد بحاجة لأن يحضر معها أو يناقشها في الشخصية أو المشهد. قال لي ذات مرّة في مهرجان كان: «لا أحضر مع كاترين أي مشهد. لا نلتقي مسبقاً لنتناقش. كل واحد منا يترك الثاني وشأنه، لكنها في كل مرّة تحاول شيئاً جديداً».‬
خلال مسيرتها التي لم تتوقف بعد (لديها ثلاثة أفلام جديدة هذا العام) حصدت نحو ثلاثين جائزة عالمية، من بينها جائزة من مهرجان برلين (1998)، وأربع جوائز من مهرجان «كان»، وثلاثة جوائز سيزار (المقابل الفرنسي للأوسكار)، وجائزتين من «الاتحاد الأوروبي». ‬
أما ثروتها المادية، فتساوي سنوات حياتها تقريباً: 75 مليون دولار حالياً.‬


المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق