برايان دي بالما..فارس تجديد في السينما الأمريكية

محمد رُضا

برايان دي بالما، أحد خمسة فرسان امتطوا جياد التجديد في السينما الأمريكية، ولكل طريقته، وهم: فرنسيس فورد كوبولا، وجورج لوكاس، ومارتن سكورسيزي، وستيفن سبيلبرج. لكن إذا ما جمعت الفترة التي انطلق بها هؤلاء من أرضية السينما المشتركة في أواخر السبعينات، فإن الفوارق تتبدى على السطح في ما يخص اتجاه كل منهم السينمائي، والكيفية التي قاد فيها مسار مهنته.
أخرج دي بالما (78 سنة) أفلاماً كبيرة وصغيرة، كما فعل كل هؤلاء. فإلى جانب «الوجه المشوّه»، بطولة آل باتشينو، و«المهمة: مستحيلة» مع توم كروز، و«الشرفاء» (The Untouchables) مع كفن كوستنر، قدم أعمالاً صغيرة الإنتاج مثل «كاري»، و«شقيقتان»، و«هاي، موم».
بعض هذه الأفلام المحدودة التكاليف لم تكن محدودة التأثير. «كاري» (1976)، على سبيل المثال، كان ولا يزال، أحد أفضل أفلام الرعب في حينه، (كما أحد أولى الأفلام التي تم اقتباسها عن إحدى روايات ستيفن كينج). قبله بعامين أنجز «شبح الفردوس». «شقيقتان» (1972) بدوره أذهل، وأخاف كثيرين من الروّاد بعنفه غير المجاني، واختيار المخرج لوضع بسيط: «شقيقتان واحدة ترتكب الجريمة والأخرى تخفيها»، ينبلج عنه وضع مخيف، وغاية في الخطورة.
لم يكن حب المخرج لأفلام الرعب فقط العامل المشترك بين هذه الأعمال الأولى، بل لتأثير المخرج الكبير ألفرد هيتشكوك عليه أيضاً. هذا التأثير الذي حمله دي بالما سنوات عدة بعد تلك الحقبة إلى أن قرر التوقف عن هذا الانتماء الذي بدا أقرب إلى استنساخ غير محدود.
ولد دي بالما في 11 سبتمبر/‏ أيلول 1940. والده ذو أصول إيطالية، لكن علاقته بأولاده لم تكن من النوع الذي جعل هؤلاء يشعرون بالحنان، وحسنات الأبوّة. وبالنسبة إلى دي بالما، فإن وجهته في الحياة لم تكن مستقرة. نراه تمهل طويلاً قبل أن يتجه للتخصص في السينما. فدرس الفيزياء، ولحين غازل التحوّل الى الرهبنة، ثم مال إلى دراسة الطب.
وفي مطلع الستينات شاهد فيلم أورسن وَلز «المواطن كاين»، وأتبعه بفيلم ألفرد هيتشكوك «فرتيجو» (الأول من نتاج الأربعينات،والثاني من إنتاج الستينات)، ويتذكر دي بالما، أنه في المرتين رفض مبارحة الكرسي الذي كان يجلس عليه من شدّة تأثره: «لقد تبين لي في ليلة واحدة التي شاهدت فيها هذين الفيلمين إلى أي حد تستطيع السينما أن تكون كل ما نريد. لم أجرؤ على مغادرة الصالة خوفاً من أن ينجلي التأثير. وعندما فعلت قررت أنني أريد أن أحمل الكاميرا، وأصبح مخرجاً».
لم يكن الطريق سهلاً على الإطلاق، فقد صوّر «حفلة العرس» (وهو فيلم صغير حققه بميزانية صفر سنة 1963 لكنه لم يعرض تجارياً إلا بعد خمس سنوات، كان خلالها أخرج فيلمين آخرين صغيرين هما «جريمة على الموضة»، و«تحيات» (كلاهما سنة 1968).
ولم ييأس دي بالما، وما بين 1970 و1972 أنجز ثلاثة أفلام صغيرة أخرى، هي «هاي موم»، و«ديونيسوس»، و«كي تعرف أرنبك». هذه الأفلام لم يطالعها النقاد إلا لاحقاً، وبعد أن أنجز دي بالما، قبيل نهاية سنة 1972 فيلمه الرئيسي الأول «شقيقتان».
يسجل لدي بالما في تلك الفترة تعاونه مع الممثل روبرت دي نيرو. في الواقع هو الذي اكتشفه، وليس مارتن سكورسيزي، كما تذكر بعض المراجع، لكون أفلام سكورسيزي الأولى وردت لاحقاً بعض الشيء.

فلسفة السكين

الحقبة الثانية التي بدأت ب«شقيقتان»، استمرت حتى سنة 1981 بفيلم «انفجار»، مع جون ترافولتا، وضمت عشرة أفلام مشبّع أغلبها باستعارات المخرج الهيتشكوكية.
لكن دي بالما عمد إلى السكين كسلاح تستخدمه الشقيقة الشريرة. وعندما سألته عن السبب في لقاء سابق قبل بضع سنوات في مدينة نيويورك، أجاب: «السكين مفزع، خصوصاً إذا ما كان بالحجم الذي استخدمته القاتلة، وهو أيضاً أداة سوريالية تشبه الموسى التي استخدمها لوي بونييل في فيلمه القصير «كلب أندلوسي»، والتي تداولتها المعرفة الجماعية منذ ذلك الحين لقوّتها. أي سلاح آخر لا يمثل قوّة تأثير السكين. مجرد القبض عليه هو خطر داهم غالباً لا ينتهي إلا بارتكاب الجريمة».
لكن هناك ناحية أخرى في مسألة استخدام السكين في القتل في السينما: السورياليون، كما شعراء السينما، يحبّون استخدام النصول الحادة (مقصات، سكاكين، أمواس، الخ…) أكثر مما يحبّون استخدام السلاح الناري. ودي بالما استمر على هذا المنوال في أعماله المتتالية. دي بالما ليس سوريالياً، لكنه استخدم الأداة المفزعة في خمسة أفلام أخرى له، وهي ««شبح الفردوس»، و«هوس»، و«كاري»، و«جاهز للقتل»، و«انفجار».

الأفلام الكبيرة

في عام 1983، استلم برايان دي بالما، أول عرض إخراج كبير بالفعل. أفلامه السابقة طوال أكثر من 15عاماً إما أنتجتها شركات صغيرة (نيو هاربور، أميركان إنترناشنال، فيلموايز)، وإما كانت من توزيع شركات أكبر (تحديداً فيلمين هما «تملّك» الذي انتجته كولمبيا، و«كاري» ليونايتد آرتستس)، لكنها لم تكن أفلاماً كبيرة بحد ذاتها.
الفيلم كان «الوجه المشوّه» Scarface الذي أوعزت به شركة يونيفرسال، وفي البال إعادة صنع فيلم أخرجه هوارد هوكس سنة 1932، وكان واحداً من 9 أفلام حققتها شركة صغيرة اسمها Caddo، بدأت ب«فارسان عربيّان» للويس مايلستون، (1927)، ووزعته حينها يونايتد آرتستس.
وتحمّس دي بالما للمشروع، ووهبه جل قدراته. لا عجب في ذلك، فهو أدرك أنها فرصته الهوليوودية الأمثل، بعدما صرف سنوات الماضي، ومنذ بدء عمله في السينما، على أفلام أرادها فنيّة، وذاتية، ومتأثرة بالسينمائي الفذ الذي كان يحبّ أعماله البيضاء والسوداء هيتشكوك.
لكن المتغيّر الوحيد لم يكن ضخامة المشروع، ولا الميزانية التي تمتّع بها (25 مليون دولار)، ولا تعاونه الأول مع ممثل بحجم آل باتشينو، بل إن هذا الانتماء كان بداية تحوّل مهم لناحية أسلوب عمله، وما يكتبه، وما يفضل العمل عليه من أفلام. واحد من ملامح ذلك الأسلوب هو كيفية القتل في أفلامه.
في «الوجه المشوّه» المشاهد الغالبة هي القتل بالأسلحة النارية. ومشهد باتشينو وهو يفتح نار رشّاشه على رجال القانون من أشهر ما طُبع على شاشة الأفلام البوليسية من مشاهد مماثلة. نيران غزيرة. طلقات لا تنتهي ثم ميتة كلاسيكية أكثر إشباعاً لجيل ذلك الحين من تلك التي ظهرت في نسخة هوكس. لكن أفلام دي بالما السابقة لم تكن أفلام مسدّسات. بل كانت أفلام خناجر، وآلات حادّة، مثل المقص. ترتكب الجريمة ذاتها، وينتج عنها الموت نفسه، لكنها أكثر إيلاماً للميّت، وللمشاهد معاً.
على ذلك، فإن العنف في أفلام دي بالما الأولى كان (كما كان الحال في العنف في أفلام سام بكنباه) طريقة وصف، وليس عنفاً للنشوة.
كان هذا الفيلم أحد فيلمين قام باتشينو بتمثيلهما لحساب دي بالما. ورد الثاني سنة 1993 بعنوان «طريقة كارليتو»، وكان كذلك أول أفلام دي بالما التي تعاون فيها مع ممثلين من الصف الأول. وبعده بثلاثة أعوام حقق «الشرفاء» مع كفن كستنر، وروبرت دينيرو، وأندي جارسيا، وشون كونيري.
وكل من «الوجه المشوه» و«الشرفاء» له مرجعية تاريخية على الشاشة. الأول، كما قدمت، كان إعادة صنع لفيلم سابق، والثاني جاء ليترجم المسلسل التلفزيوني المعروف والناجح (بطولة روبرت ستاك) إلى السينما. نجاح هذين الفيلمين قاد هوليوود للاعتماد عليه لتقديم نقلة تلفزيونية أخرى إلى الشاشة الكبيرة، في إطار فيلم «مهمة: مستحيلة». الفيلم ما زال في نظر العديدين أفضل جزء من المسلسل الشهير الذي قاد توم كروز بدايته منذ البداية، وحتى اليوم.
في خضم كل ذلك وجّه دي بالما اهتمامه صوب بعض الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة. وهذا الاهتمام بدأ بفيلم «خسائر حربية» (Casualities of War سنة 1989) الذي نقل فيه وقائع حدث فعلي، حين فتح الجنود الأمريكيون النار على جنود أمريكيين آخرين بسبب نزاع خلال حرب فيتنام. ولم يكن الهدف تناول تلك الحادثة فقط، بل النفاذ منها لمعارضة الحرب.
فوي العام 2007 نقل دي بالما اهتمامه إلى العراق، حيث صوّر تعرض القوات الأمريكية المجحف لأبرياء عراقيين في حادثة مستوحاة من الحقيقة. الفيلم بعنوان «منقح» (Redacted) الذي يعرض فيه حقيقة ما حدث في مقابل «النسخة المنقحة» التي وردت رسمياً في أمر المذبحة.
هذا العام، وبعد ابتعاد خمس سنوات، سجل دي بالما عودة إلى الشاشة الكبيرة بفيلم عنوانه «دومينو». ومن شاهد الفيلم يعلم أن المخرج لم يفقد معرفته بمفاتيحه السينمائية الخاصة، وما زال يجيدها حتى إن لم يشهد الفيلم النجاح الإعلامي الذي واكب معظم أفلامه السابقة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى