في معرض تحليلها لظاهرة التنافس الدولي، تشير تقديرات أمريكية، ومنها على سبيل المثال، تقرير لـ”مجلس العلاقات الخارجية” الأمريكي صدر في ديسمبر 2024 تحت عنوان: “بلا حدود؟ علاقة الصين وروسيا والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”، إلى أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على مواجهة النفوذ الصيني والروسي في كل مكان وفي كل قضية، إلى أجل غير مسمى، ولا ينبغي لها أن تحاول فعل ذلك، بل يتعين عليها الانخراط بشكل انتقائي في المجالات والقضايا الأكثر أهمية.
ولتحقيق هذه الغاية، يشير التقرير الي وجوب أن تتخذ الولايات المتحدة عدداً من الخطوات، من بينها تعزيز “حالات التأرجح العالمية”. ففي المنافسة بين واشنطن وبكين وموسكو، هناك ست دول “متأرجحة” ذات أهمية خاصة هي كل من البرازيل والهند وإندونيسيا والسعودية وجنوب إفريقيا وتركيا. وهي كلها – وفقاً للتقرير – “قوى متوسطة” تتمتع بثقل جيوسياسي جماعي كافٍ لدعم تفضيلاتها السياسية للتأثير في الاتجاه المستقبلي للنظام الدولي؛ ومن ثم ينبغي على واشنطن أن تجعل من أولوياتها، حرمان موسكو وبكين من المزايا في هذه البلدان، وتشجيع حكوماتها على اختيار سياسات تصب في صالح النظام الدولي القائم. وفي الممارسة العملية؛ يعني ذلك استخدام الحوافز التجارية، والمشاركة العسكرية، والمساعدات الخارجية والدبلوماسية لمنع “الدول المتأرجحة” من استضافة قواعد عسكرية صينية أو روسية، أو منحها إمكانية الوصول إلى البنية التحتية التكنولوجية أو المعدات العسكرية، أو مساعدتها على التحايل على العقوبات الغربية.
مفاجأة إندونيسيا و”بريكس”:
من خلال نظرة على الدول الست “المتأرجحة”، نجد أن ثلاثاً منها (البرازيل والهند وجنوب إفريقيا) هي أعضاء مؤسسة لتجمع “بريكس”، بجانب كل من روسيا والصين، بينما دُعيت السعودية إلى الانضمام للتجمع بدءاً من يناير 2024، إلا أن موقفها ما يزال غامضاً وشاركت في القمة الأخيرة لـ”بريكس” في قازان بروسيا في أكتوبر الماضي، بوفد برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان. أما تركيا فقد عبّرت بالفعل عن رغبتها في الانضمام للمجموعة ضمن 13 دولة تتمتع بوصف “الشريك”.
وفي 6 يناير 2025، أصدرت وزارة الخارجية البرازيلية، رئيس مجموعة “بريكس” خلال عام 2025، بياناً أشار إلى أن إندونيسيا انضمت رسمياً إلى المجموعة عضواً كامل العضوية، وأن أكبر دولة في منطقة جنوب شرق آسيا من حيث عدد السكان “تتشارك مع الأعضاء الآخرين الرغبة في إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وتسهم بشكل إيجابي في التعاون داخل الجنوب العالمي”.
ومن جانبها، رحبت وزارة الخارجية الإندونيسية بالإعلان، في بيان لها يوم 7 يناير الماضي، أطرّت فيه انضمامها لـ”بريكس” بأنه تعاون فيما بين بلدان الجنوب، وأن عضوية المجموعة هي وسيلة استراتيجية لتعزيز التعاون والشراكة مع الدول النامية الأخرى. وكانت البرازيل، في مستهل تسلمها رسمياً رئاسة “بريكس” من روسيا، أكدت أن التعاون بين دول الجنوب العالمي وإصلاح المؤسسات المتعددة الأطراف، سيكون على رأس أولويات الرئاسة البرازيلية للمجموعة، بجانب تطوير وسائل الدفع لتسهيل المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء. وعلى خلفية هذه التصريحات، هدد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% إذا أُنشئت عملة جديدة لدول “بريكس” لتحل محل الدولار الأمريكي.
وجاء إعلان البرازيل عن انضمام إندونيسيا لتجمع “بريكس” رسمياً، ليمثل مفاجأة بدرجة ما؛ إذ إن الممثلين الرسميين لعدد من الدول الأعضاء المؤسسة، بما فيها روسيا، أدلوا بتصريحات مفادها أنه في هذه المرحلة، وبعد الإعلان عن دعوة خمس دول للانضمام للتجمع بدءاً من يناير 2024 (هي دولة الإمارات، ومصر، وإيران، وإثيوبيا، والسعودية) فضلاً عن الأرجنتين التي اعتذرت رسمياً عن عدم الانضمام لاحقاً؛ تقرر أخذ استراحة من المزيد من التوسع.
انعطافة نحو الصين:
بعد تنصيبه رسمياً في 20 أكتوبر 2024، انخرط الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، بسرعة في جدول أعمال دولي نشط، استهله بزيارة إلى الصين في الفترة من 8 إلى 10 نوفمبر 2024، وقّع خلالها البلدان سلسلة من الاتفاقيات بقيمة نحو 10 مليارات دولار، مع التركيز على قطاعات البنية التحتية والزراعة والاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا. ووفقاً لتحليلات غربية، عكست الزيارة عزم سوبيانتو الحفاظ على علاقات قوية مع بكين لدعم الأهداف الاقتصادية لأجندته المحلية. وفي هذا السياق، أكدت الصين دعمها لمبادرة سوبيانتو لتوفير وجبات مجانية للسكان الأكثر فقراً في إندونيسيا، وهي حجر الزاوية في برنامجه للرعاية الاجتماعية. ولفت انتباه المحللين الغربيين، الاتفاق المشترك الذي توصل إليه البلدان خلال الزيارة على التنمية في المناطق ذات المطالبات المتداخلة في بحر الصين الجنوبي بالقرب من جزر ناتونا، حيث يتداخل “خط النقاط السبع” الصيني مع المنطقة الاقتصادية الخالصة لإندونيسيا. فقد اُعتبر هذا الاتفاق بمثابة “تحول مثير” يُعطي الشرعية لمطالبات الصين الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، بل ويعززها؛ مما قد يقوض السيادة الإندونيسية.
وقد حظي هذا الموضوع بمزيد من الاهتمام في ضوء البيان المشترك الذي وقّعه سوبيانتو والرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، خلال زيارته للبيت الأبيض، بعد بضعة أيام من زيارة الأول لبكين. ففي هذا البيان، أكد الرئيسان أهمية حرية الملاحة واحترام الولايات القانونية للدول الساحلية وفقاً لأحكام القانون الدولي ذات الصلة.
وأدت هذه الانعطافة في الموقف الإندونيسي نحو الصين، والتي نُظر إليها أمريكياً على أنها نوع من التناقض الصارخ في النبرة بين الزيارتين، إلى إصابة العديد من المراقبين بالحيرة؛ الأمر الذي دفع سوبيانتو إلى تأكيد التزامه بحماية سيادة إندونيسيا. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن “الحدود البحرية” تُمثل إحدى أهم أولويات السياسة الخارجية لإندونيسيا، والمرجعية الأولى للمفاوض الإندونيسي في هذا الشأن هي “التسوية السلمية” والالتزام بقواعد ومبادئ القانون الدولي، وبصفة خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وما تزال إندونيسيا منخرطة في مفاوضات على نزاعات حدودية بحرية مع عدد من جيرانها (فيتنام، وماليزيا، وتيمور الشرقية، والفلبين، وسنغافورة، والصين).
ويمكن تبرير انعطافة إندونيسيا نحو الصين بعدد من الاعتبارات المرتبطة أساساً بولاية ترامب الثانية، وأبرزها ما يلي:
1- الشكوك الجدية من قِبل إدارة ترامب تجاه التحالفات وتفضيل الأُحادية على حساب الشركات التقليدية، والتي قد تشهد انسحاباً من الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ (IPEF) التي أطلقها بايدن لتعزيز العلاقات الصناعية مع الشركاء الإقليميين، تماماً مثلما انسحب ترامب من شراكة أوباما عبر المحيط الهادئ (TPP).
ويُلاحظ هنا أن الدول الأعضاء في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك”، والتي تضم إندونيسيا، لم تخف مخاوفها المتزايدة بشأن التأثير المُحتمل لرئاسة ترامب على التجارة العالمية؛ الأمر الذي انعكس بوضوح في الإعلان المشترك الصادر عن قمة “أبيك” في 16 نوفمبر الماضي في ليما، عاصمة بيرو، والذي تضمن 36 بنداً حول تعزيز التعاون والتجارة بين الدول الأعضاء.
وقد أدت الصين دوراً مركزياً في هذه القمة، وفقاً لتقديرات غربية، حيث تولى الرئيس شي جين بينغ زمام المبادرة في المناقشات المتعددة الأطراف، والانخراط في اجتماعات ثنائية عديدة، بما في ذلك مقابلة بايدن. كما شملت المناقشات دول تجمع آسيان العشر، وفي القلب منها إندونيسيا، التي تستعد لأداء دور محوري في تدفقات التجارة العالمية خلال العقد المقبل، والتي يتركز جزء كبير من معدلات نموها حول رابطة آسيان. وتشير تقديرات اقتصادية دولية إلى أنه من المُتوقع أن تستفيد منطقة جنوب شرق آسيا بشكل كبير من انكماش التجارة بين الولايات المتحدة والصين، مدفوعاً بالمنافسة التكنولوجية الصناعية المستمرة. كما ستستفيد المنطقة من جهود التنويع وإزالة المخاطر التي تبذلها الشركات الدولية الكبرى التي ما تزال تنقل إنتاجها خارج الصين.
2- تخفيضات الميزانية الأمريكية للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتي أدت بالفعل إلى تقليص العديد من برامج التنمية في منطقة جنوب شرق آسيا بما فيها إندونيسيا.
3- حالة عدم اليقين في مستقبل العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة بسبب عودة سياسات ترامب الحمائية، بما فيها التعريفات الجمركية المُحتملة على صادرات دول آسيان، خاصةً القوى التجارية فيها مثل إندونيسيا وفيتنام وماليزيا.
مزايا متبادلة:
ثمة تساؤل مفاده ما الذي يمكن أن تقدمه إندونيسيا لمجموعة “بريكس” والعكس؟ وفي هذا الإطار، يمكن القول إن هناك مزايا متبادلة للطرفين، كالتالي:
1- مكاسب لـ”بريكس”: يوفر انضمام إندونيسيا كعضو كامل العضوية إلى “بريكس”، عدداً من المزايا للمجموعة، منها الآتي:
أ- السوق الكبيرة: تُعدُّ إندونيسيا رابع أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، وهو ما يوفر سوقاً كبيرة للمنتجات والخدمات. ويدخل الاقتصاد الإندونيسي ضمن الاقتصادات العشرة الأكبر عالمياً من حيث القوة الشرائية (في المرتبة السابعة عام 2024)، وهو القوة الدافعة لاقتصادات دول آسيان.
ب- الموارد الطبيعية: تمتلك إندونيسيا موارد طبيعية هائلة مثل النفط والغاز والمعادن.
ج- التعاون الاقتصادي: يمكن لإندونيسيا أن تسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في “بريكس”. فهي عضو في مجموعة العشرين، وانضمامها يعني زيادة عدد دول مجموعة العشرين الأعضاء في “بريكس” إلى ست دول، بجانب العضوية في رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي (IORA)، والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP).
2- مزايا لإندونيسيا: يمكن أن تقدم “بريكس” لإندونيسيا ما يلي:
أ- التعاون الاقتصادي: يوفر التجمع لإندونيسيا فرصاً كبيرة في هذا الشأن، خاصةً وأن قطاع الابتكار الرقمي يتطور في إندونيسيا بسرعة ملحوظة، حيث تشير التقديرات إلى أنه سيسهم بنحو 133 مليار دولار عام 2025. وتُعدُّ إندونيسيا أكبر سوق للتجارة الإلكترونية في منطقة آسيان، بإجمالي مبيعات يقترب من 28 مليار دولار. هذا بجانب مجالات الاقتصاد الإبداعي، الذي يقوم على استغلال السلع والخدمات التي تستخدم الإبداع ورأس المال الفكري كمدخلات أولية لتحقيق التنمية الاقتصادية، كالتراث والفنون والحرف اليدوية والمهرجانات والاحتفالات والمواقع الأثرية والمتاحف والمعارض. وقد أنشأت إندونيسيا منذ أكثر من عشر سنوات، وتحديداً في يناير 2015، هيئة متخصصة للاقتصاد الإبداعي لتكون مسؤولة عن تنمية وصياغة وتحديد وتنسيق السياسات؛ بهدف جعل إندونيسيا واحدة من القوى الاقتصادية العالمية في الاقتصاد الإبداعي بحلول عام 2030. ولا شك في أن الدول المنضمة لـ”بريكس”، أو الشريكة، يمكنها الاستفادة من التجربة الإندونيسية في هذا الشأن.
ب- الدعم السياسي: يُمثل انضمام إندونيسيا للتجمع توجهاً استراتيجياً نحو عدم الانحياز إلى قوة عظمى بعينها، ودعم الرؤية الإندونيسية للتغيرات الهيكلية في النظام الدولي، الذي ينتقل تدريجياً من نظام أُحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة إلى نظام متعدد الأقطاب. وكما هو حال الأغلبية الساحقة من بلدان الجنوب العالمي، تتحوط إندونيسيا في مواقفها، ساعية إلى التعاون مع القوى الكبرى شرقاً وغرباً، ولكن من دون هيمنة أمريكية على العالم. ويفرض هذا التحوط نفسه مع دخول ترامب البيت الأبيض بأجندته الانعزالية. وفي هذا السياق، قدم إعلان قازان الصادر عن القمة السادسة عشرة لـ”بريكس” العقوبات الغربية باعتبارها “تهديداً للاقتصاد العالمي، وانتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ونوعاً من التدابير الانفرادية التي تنتهك القانون الدولي وتضر بحق الشعوب والدول في التنمية الشاملة”.
وفي ضوء ذلك، ينظر الغرب إلى توسع “بريكس” على أنه إعادة تقييم متعمدة لعلاقات القوة العالمية، وأن هذا التطور، كما عبر عنه “إعلان قازان”، هو تحدٍّ لهيمنة المؤسسات المالية الغربية وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية المتعددة الأطراف، خاصةً على خلفية التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
ومن الطبيعي أن تسعى الصين وروسيا، أكبر قوتين في “بريكس”، إلى تعميق علاقاتهما الاقتصادية والاستراتيجية في إطار المجموعة، باستخدام توسع الكتلة كإجراء استراتيجي مضاد للهيمنة الغربية وتوفير نموذج اقتصادي بديل للدول الساعية إلى نوع من الاستقلال الاستراتيجي. ومما لا شك فيه أن موقف ترامب من مبادرة العُملة المُحتملة لـ”بريكس”، بالرغم من استبعاد تحققها في أي وقت قريب، يعكس المخاوف الأوسع نطاقاً بشأن النفوذ المتعاظم للصين داخل التجمع.
نهج متأرجح:
تتبع إندونيسيا نهجاً متأرجحاً متعدد الاتجاهات في سياستها الخارجية، تماماً مثل الهند، من خلال الانخراط في نوع من عدم الانحياز النشط. وقد تجسد ذلك بوضوح في خطوة جاكرتا بالانضمام إلى مجموعة “بريكس” مع المُضي قُدماً في خططها الرامية إلى الوصول إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما يتيح لها تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتقليص اعتمادها على قوة عظمى بعينها.
وفي خضم الاضطرابات الجيوسياسية الحالية، ليس لدى إندونيسيا، وغيرها من دول آسيان، أي نية لاختيار أي طرف، حيث ترغب في أن تظل باباً مفتوحاً للاقتصاد العالمي. وفي الوقت الذي تعيد فيه إندونيسيا تموضعها الاستراتيجي، فإنها تدرك أن الولايات المتحدة تظل الفاعل الحاسم في الأمن الإقليمي، حيث تقدم الدعم العسكري والتعاون الأمني والدفاعي. ومن المنظور الاقتصادي، تظل الولايات المتحدة مستثمراً رئيسياً وسوقاً لدول آسيان؛ مما يوازن علاقاتها التجارية القوية مع الصين، التي من غير المُرجح أن يتراجع نفوذها في المنطقة، على خلاف ما يسعى إليه الأمريكيون. ومع عودة ترامب، تدرك إندونيسيا وغيرها من دول آسيان أن الاصطفاف مع واشنطن قد يصبح مكلفاً وصعباً بشكل متزايد. وفضلاً عن ذلك، فإن التزام واشنطن بالاستقرار الإقليمي في الأمد الطويل بات محل شك.