مضاعفات البنكرياس الحادة تهدد الحياة

تحقيق: راندا جرجس

تقوم غدة البنكرياس التي تقع خلف المعدة وبجانب الاثني عشر، بإفراز إنزيمات تساعد على هضم الكربوهيدرات، البروتينات، والدهون، وعندما يُصاب البنكرياس بأحد المشكلات، يؤثر ذلك سلباً على إنتاج هذه الإنزيمات، ما ينجم عنه مهاجمة أنسجته بإصابات عديدة، ويكون الألم الشديد في البطن المرتد إلى الظهر، الحرارة، القيء وغيرها، أهم العلامات المصاحبة لهذه الآفات، وتتنوع مضاعفات هذا المرض من الخفيفة إلى المتوسطة والحادة، وربما يتحول الأمر للإصابة بسرطان البنكرياس، وفى السطور القادمة يخبرنا الخبراء والاختصاصيون بالتفصيل عن كيفية الوقاية والعلاج.
تقول الدكتورة سوزان البدري أخصائية الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، إن البنكرياس هو غدة لها رأس وجسم وذيل، موجودة في وسط البطن، فوق رأس المعدة، وتحت الاثني عشر، ووظيفته هي إفراز أكثر من نوع هرمونات، وتعد المادة الأساسية التي ينتجها عن طريق خلايا بيتا هي الإنسولين الذي يتعامل مع كميات السكر التي تدخل إلى الجسم، ويمكن أن يتعرض البنكرياس للإصابة ببعض الأمراض كما هو الحال بالنسبة لجميع أعضاء جسم الإنسان، مثل الالتهابات الفيروسية، الفطرية، الميكروبية، البكتيرية، الأمراض المناعية، أو تغيير في الخلايا فتتحول إلى سرطانات، كما أن هناك بعض العناصر التي تؤثر سلباً على البنكرياس وتسبب بعض الإصابات مثل أن يكون الشخص يعانى من الأنيميا غير نقص الحديد، ويتناول كميات كبيرة من الحديد فينتج عنها إفساد بعض خلايا البنكرياس، وتعتبر الفئة العمرية الوسطى من 15 إلى 40 سنة، هي الأكثر استهدافاً بهذه الإصابة وكذلك الرجال أكثر من النساء، كما أننا نعاني في المنطقة العربية من ارتفاع الدهون الثلاثية نظراً لطبيعة الأطعمة الدسمة وغير الصحية، وكذلك الجينات الوراثية، الذي يؤدي بشكل مباشر إلى التهابات غدة البنكرياس، ولذلك يكون التركيز في علاج هذه الحالات على الأسباب وليست العوارض، لضمان زوال الإصابة.

إصابات متعددة

تذكر د.سوزان أن أكثر العلامات التي تنبئ عن وجود إصابة غدة البنكرياس، هي شكوى المريض من وجود ألم مستمر في فم المعدة يزيد بعد تناول الطعام، ويرافقه حرارة، قيء، عدم قدرة على الأكل، ونظراً لتشابه هذه العلامات المرضية مع بعض الإصابات الأخرى، فيكون الحاسم هو خضوع المريض للاختبارات التشخيصية مثل عمل صورة دم كاملة، لاكتشاف نسبة الالتهاب الموجودة، وهل هناك زيادة في كرات الدم البيضاء من عدمه، وعند تأكيد الإصابة يتم عمل تصوير تلفزيوني لرؤية غدة البنكرياس سليمة أم هناك تغييرات على الشكل وما إذا كان هناك تضخم في الحجم، ثم أشعة مقطعية أو رنين مغناطيسي لتحديد حجم الإصابة وإذا كان هناك أورام سرطانية، ويجب الانتباه إلى أنه يجب التعامل مع إصابات البنكرياس بجدية بالغة، كما أن هناك بعض الأمراض التي ينتج عنها هذه الالتهابات مثل أمراض الكلى، الحصوات المرارية، قرحة الاثني عشر، كما أن مشكلات المعدة تنزل على نسيج البنكرياس ما يؤدي إلى اهتراء الخلايا والتهاب حاد.

التهاب البنكرياس الحاد

يوضح الدكتور ياسر السعداوي، مختص الطب الباطني، أن التهاب البنكرياس الحاد، هو مرض يسبب آلاماً بطنية مفاجئة وشديدة، ويتطور عادة نتيجة حصوات المرارة أو كثرة شرب الكحول على مدى سنوات بنسبة من60% إلى 75%، وتجدر الإشارة إلى أن معظم هجمات التهاب البنكرياس الحاد لا تؤدي إلى مضاعفات، ومعظم الناس يتعافون مع الرعاية الطبية، ومع ذلك فإن نسبة صغيرة تتطلب رعاية مكثفة، ومن الضروري تحديد السبب الأساسي للإصابة، لمنع تكرارها، خاصة أن المرارة والبنكرياس يتشاركان في قناة تصريف واحدة، ما يجعل وجود الحصوات يمنع التدفق الطبيعي لإنزيمات البنكرياس، وهناك أيضاً الالتهاب الناجم عن تناول عدد من الأدوية المستخدمة لعلاج من الحالات الطبية، وكذلك يمكن أن تكون الجينات الوراثية سبب مثل ارتفاع مستوى الدهون الثلاثية في الدم والتهاب البنكرياس الوراثي، وعادة ما يحدث ذلك عند الأطفال والشباب، وبالمقابل هناك 20% من المصابين، مجهول سبب المرض لديهم، ولا يتبع الالتهاب أي هجمات إضافية سوى نسبة صغيرة مع مرور الوقت.
يضيف: إن التهاب البنكرياس الحاد تكون أعراضه بشكل متكرر مع ألم مفاجئ ومستمر في الجزء العلوي من البطن، وربما يستمر لأيام، ويلتف حول البطن وينطوي على الظهر في نمط شبيه بالحزام، وعادة يتم تخفيفه عن طريق الميل إلى الأمام، أما البعض فيكون لديهم ألم خفيف، أو لا يوجد على الإطلاق وذلك بنسبة من 5% إلى 10%، أما من يعانون من التهاب البنكرياس الحصوي، فهم يواجهون آلام المرارة في الجزء العلوي الأيمن من البطن قبل حدوث آلام في البنكرياس، ويمتد إلى الظهر والكتف الأيمن، ويزداد تدريجياً، وربما يكون مصحوباً بالغثيان والقيء، وغالباً يكون ذلك بعد تناول الوجبات الدسمة، والجدير بالذكر أن حوالي 30٪ من الأشخاص المصابين بالالتهاب الحاد الشديد، يصابون بعدوى في نسيج البنكرياس المتضرر.

علاج التهاب البنكرياس

يؤكد د.ياسر، أن أهداف علاج التهاب البنكرياس الحاد، هي تخفيف وتصحيح السبب الكامن وراءه، ويمكن أن يتطلب الأمر البقاء في المستشفى لأيام قليلة، حيث إن الالتهاب الخفيف يستلزم المراقبة، والرعاية الداعمة البسيطة، وإعطاء المريض مسكنات للسيطرة على الألم، وربما لا يُسمح له بتناول أي شيء خلال الأيام القليلة الأولى إذا كان يعاني من الغثيان أو القيء، أما الالتهاب الذي يتراوح ما بين المعتدل إلى الشديد، فهو يتطلب مراقبة أكثر شمولاً ورعاية داعمة، حيث إنه يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات تهدد الحياة، بما في ذلك قصور القلب والرئة والكلى، كما يمكن أن يحتاج الأمر، أن يمكث المريض في وحدة العناية المركزة، ويتم إعطاؤه سوائل عن طريق الوريد للمساعدة في منع الجفاف، إطعامهم خلال أنبوب يتم وضعه من خلال الأنف أو الفم في الأمعاء الدقيقة، ويمكن استئناف تناول الطعام تدريجياً بمجرد عودة الأمعاء إلى طبيعتها، وفى الحالات المعقدة بسبب التلف الشديد أو العدوى في أنسجة البنكرياس، يتم إزالة الأنسجة التالفة
والمصابة بالاستئصال والذي يتم كإجراء بسيط.

قصور البنكرياس

يفيد د.ياسر أن قصور البنكرياس هو عدم كفاية إفراز العصارة والإنزيمات الطبيعية، حيث إنه يتم إفراز ما يقرب من 1.5 لتر من السوائل الغنية بالإنزيمات كل يوم من أجل هضم الدهون والنشا والبروتين، كما أن تحفيز البنكرياس بعد وجبة الطعام يزيد من تدفق المياه وتركيز البكتيريا من عصير البنكرياس، ويدخل حجم كبير من السوائل القلوية الغنية بالإنزيمات إلى الاثني عشر لتحييد الحمض في المعدة من أجل الهضم الأمثل، وتشمل أعراض القصور الحاد على آلام في البطن وإسهال دهني، أما الخفيف فيكون على هيئة إزعاج بسيط في البطن والانتفاخ مع حركات الأمعاء العادية، ولا يحدث اضطراب أو إسهال حتى يفقد الشخص 90٪ تقريباً من وظيفة الغدة، كما يؤدي نقص الإفراز لعسر هضم لكل من الدهون والبروتين، فقدان الوزن، كما يعاني المريض من مستويات مرتفعة من الدهون البرازية، وربما يحدث سوء امتصاص للفيتامينات التي تذوب في الدهون A، D، E، K وفيتامين B12 أيضاً، ويعتمد العلاج الأساسي على إعطاء إنزيمات البنكرياس الخارجية، وخاصة لمن يعانون من نقص في الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون والمغذيات الدقيقة الأخرى، وأمراض العظام.

سرطان البنكرياس

يشير الدكتور بيوش سوماني مختص أمراض الجهاز الهضمي، إلى أن أسباب الإصابة بسرطان البنكرياس لا تكون واضحة في معظم الحالات، ولكن يعد التاريخ العائلي، العامل الأخطر للإصابة بنسبة من 10% إلى 15% في جميع الحالات، وكذلك التدخين بنسبة 1.74%، داء السكري، زيادة الوزن المفرطة، والمسنين بعد سن 65، ولا تظهر علامات وأعراض سرطان البنكرياس في كثير من الأحيان حتى يتم تقدم المرض، وتشتمل هذه العلامات على ألم في الجزء العلوي من البطن ينتشر إلى الخلف، فقدان الشهية، خسارة الوزن بدون سبب، مرض السكري الجديد، جلطات الدم، اصفرار البشرة، وبياض العينين (اليرقان)، ويتم عادة التشخيص عن طريق عمل اختبارات التصوير التي تأخذ صوراً للأعضاء الداخلية للجسم مثل: الموجات فوق الصوتية، أشعة الرنين المغناطيسي، وفي بعض الأحيان نلجأ للتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، جهاز الموجات فوق الصوتية بالمنظار، الذي يستخدم في نطاق إنشاء صور بالموجات فوق الصوتية للبنكرياس، وهناك أيضاً فحوص الدم، وأخذ نزعة من البنكرياس عن طريق المنظار.

مضاعفات سرطان البنكرياس

يفيد د. بيوش بأن سرطان البنكرياس يستهدف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و 84 سنة، وهو شائع بين الرجال أكثر من النساء، وتكون الإصابة على أربع مراحل، حيث تكون الأولى قاصرة على إصابة البنكرياس، أما الأخيرة فتكون بانتشار الأورام السرطانية إلى أجزاء أخرى من الجسم، ما يعرض الشخص المصاب للمضاعفات الآتية:-
* فقدان الوزن، الغثيان، والقيء الناجم عن علاجات السرطان أو الأورام التي تضغط على المعدة.
*يمنع سرطان البنكرياس القناة الصفراوية في الكبد، مسبباً اليرقان، ولذلك يوصي الطبيب المعالج بوضع أنبوب بلاستيكي أو معدني داخل القناة الصفراوية لفتحه.
* يضغط الورم المتنامي على الأعصاب في البطن، ما يسبب الألم الشديد.
* يضغط سرطان البنكرياس على الأمعاء الدقيقة (الاثني عشر)، ويمنع تدفق الطعام المهضوم من المعدة إلى الأمعاء، وربما يتطلب الأمر لوضع دعامة معدنية لفتح العائق.
يستكمل: يعد الاستئصال الجراحي للورم، العلاج الأفضل لسرطان البنكرياس، وفى بعض الحالات تكون الأدوية الكيماوية، العلاج الإشعاعي مكملين لإتمام الشفاء، ويعتمد ذلك على مدى انتشار الخلايا السرطانية، أما مرضى المرحلة الرابعة فيخضعون للعلاج الكيماوي النظامي.

معايير رانسون

يقوم الأطباء بتقييم نوعية التهاب البنكرياس، بناء على بعض المعايير التي وضعها العالم رانسون فى عام 1975، التي تفيد في تحديد الإصابة بالتهاب البنكرياس الحاد الذي يحتاج للعناية والمراقبة المشددة، والآخر الحاد الوذمي الخفيف، ويتم ذلك عن طريق بعض الدلالات التي تظهر عن طريق الاختبارات التشخيصية للمرضى أكثر من عمر 55سنة، وتشتمل على أن يكون تعداد الكريات البيض أكثر من 16000/مم3، وكذلك معدل سكر الدم، ثم يعاد تقييم المريض مرة أخرى بعد 48 ساعة، ويخضع لقياس نسب: البولة الدموية، الهيماتوكريت، الكالسيوم، الضغط الجزئي للأوكسجين، نسبة السوائل والبيكربونات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى