سكري العين..تلفيات تحدها الفحوص الدورية

تحقيق: راندا جرجس

يؤثر داء السكري في العين بشكل عام، وخاصة عندما يكون المريض غير مهتم بمتابعة انضباط مستوى السكر في الدم، ما يتسبب في حدوث الكثير من المشكلات والمضاعفات التي تؤدي في بعض الحالات إلى فقدان البصر، ومن أشهر هذه الإصابات اعتلال الشبكية السكري، ظهور المياه البيضاء على العين، في وقت مبكر عن المعتاد قبل سن الـخمسين، مع وجود أوعية دموية غير طبيعية، الزرق، وذمة اللطخة الصفراء، وإصابات القرنية وغيرها، كما تتعدد العلاجات وطرق الوقاية من هذه الأمراض وهذا ما سنتعرف إليه في السطور القادمة.
يقول الدكتور محمد عوض الله استشاري طب وجراحة العيون، إن مضاعفات مرض السكري تظهر على شبكية العين فيما يسمى «بالاعتلال الشبكي السكري»، حيث تقع الشبكية في الجدار الخلفي للعين ويمر من خلالها الضوء إلى الخلايا العصبية التي تستقبله وتترجمه إلى رؤية سليمة وواضحة، وفي بداية الإصابة بمرض السكري تتلف الأوعية الدموية الدقيقة في الشبكية، ما يؤدي إلى انسداد الشعيرات الدموية فتنقص التغذية الدموية والأكسجين، ويتسبب هذا التلف في تسرب الأوعية الدموية، وعلى شكل ارتشاحات وأنزفة في شبكية العين أو تورم في مركز الشبكية والتي تعرف بـ«وذمة إكلينيكية».
يضيف: في الحالات المتقدمة للمرض تظهر أوعية دموية غير طبيعية على سطح الشبكية، وحول العصب البصري والتي من خصائصها أنها ضعيفة جداً، وربما تسبب نزيفاً حاداً بالجسم الزجاجي، وهو السائل الشفاف الذي يملأ تجويف العين، خاصة إذا ارتفع ضغط المريض أو بذل مجهوداً جسمانياً، وفي بعض الحالات يحدث هذا النزيف تلقائياً، وربما يتكرر أكثر من مرة، ما يؤدي إلى إصابة المريض بالضبابية في الإبصار أو حتى عدم الرؤية.

أعراض وعلامات

يفيد د. عوض الله بأن المراحل الأولى من الإصابة باعتلال الشبكية السكري، لا يرافقه أي أعراض عند معظم المرضى، ولكن مع ازدياد تأثر الشبكية ومركز الإبصار بمرض السكري تبدأ العلامات بالظهور، وتأخذ أحد الأشكال التالية:
* ضعف تدريجي أو مفاجئ في الإبصار.
* ظهور أجسام متحركة في مجال الإبصار.
* ظهور إعتام في مجال الإبصار.
* نادراً حدوث ألم في داخل العين في المراحل المتأخرة جداً.

مضاعفات اعتلال الشبكية

يؤكد د. عوض الله على أن الكشف المبكر عن تأثير السكري، واتخاذ الخطوات العلاجية المناسبة من خلال الفحص الإكلينيكي للعين، وخاصة فحص قاع العين دورياً للتأكد من سلامة الشبكية، يجنب العين المضاعفات المحتملة، ومن المعروف أن ارتفاع نسبة السكر في الدم بشكل مزمن يضرّ بالشعيرات الدموية في أعـضـاء الجـسـم كـافـة، وشبـكية العين بشكل خاص، كما يتسبب السكري بضعف الإبصار أو حتى فقدانه بشكل أكبر في المجتمعات النامية نتيجة للمضاعفات الخطرة التي تصيب العين، كإصابة مركز شبكية العين بالارتشاح السكري، وكذلك الاعتلال الشبكي التكاثري الذي يؤدي إلى تليفات على سطح الشبكية، ما ينتج عنه شد الشبكية بعيداً عن جدار العين، الذي يسمى الانفصال الشبكي الشدي، بالإضافة إلى حدوث نزيف بالجسم الزجاجي والإصابة بمرض المياه البيضاء، وفى بعض الحالات يؤثر السكري في العصب البصري، ما يؤدي إلى ضعف البصر أو فقدانه كلياً.

علاج اعتلال الشبكية

يشير د.عوض الله إلى أن العلاج الفوري يعد عاملاً أساسياً لخفض احتمالية الفقدان الدائم للنظر، وفي بعض الحالات، لا يسترجع المريض قدرته التامة على الإبصار بعد العلاج ويعاني ضعفاً دائماً في الرؤية الجانبية أو الرؤية المركزية، وهناك مجموعة من العلاجات التي يلجأ لها الطبيب المعالج بحسب حالة المريض ومنها:
ــ العلاج بالليزر، وهو أحد العلاجات المعروفة لمرض اعتلال الشبكية السكري، الذي يتم تحديد الحاجة له عن طريق الفحص الإكلينيكي، وليس على أساس حدة الإبصار، ويكون الهدف منه منع تسرب سوائل الدم وامتصاص الإرتشاحات التي تكونت نتيجة لتوقف التسرب، ما يسمح بالحفاظ على الرؤية السليمة وفقاً لحدة البصر الأولية لدى المريض، وفي 10٪ من الحالات لا يؤدي علاج الشبكية لمرضى السكري فقط للحفاظ على الرؤية، كما وجد أن العلاج بالليزر يقلل من مخاطر انخفاض الرؤية المعتدل بنحو 50٪، وإذا بقيت بعد العلاج بقايا للوذمة الإكلينيكية في مركز الإبصار بالشبكية (الماقولة)، فيمكن تكرار علاج الليزر كل أربعة أشهر.
ــ حقن المواد المضادة لمورثة نمو الأوعية الدموية البطانية، حيث تحقن بشكل شهري، مباشرة داخل الجسم الزجاجي للعين، لتعمل على انحسار الأوعية الدموية غير الطبيعية وتجفيف ارتشاح الماقولة السكري، ما يؤدي إلى تحسين الرؤية وتجنب مضاعفات المرض.
ــ حقن الكورتيزن (الستيرويدات)، هناك حالات من وذمة البقعة الصفراء المزمنة التي لا تتحسن بعد عدة علاجات، وهنا يمكن حقن الستيرويدات في تجويف العين الزجاجي للحد من التسرب من الأوعية الدموية والمساعدة على امتصاص الوذمة.
ــ التدخل الجراحي، ويتم الاستعانة به في الحالات المتأخرة، باستئصال الجسم الزجاجي للعين، ويتم في هذه الجراحة إزالة النزيف والتليفات داخل العين وعلاج أي انفصال شبكي.

فئة عمرية

تذكر الدكتورة رازان غالي أخصائية أمراض العيون أن السكري يعتبر المسبب الأول للإصابة بالعمى حول العالم، وخاصة بين شريحة البالغين ما بين 20 و 74 سنة من العمر، ولذلك يجب أن ينتبه مريض السكري لضبط سكر الدم، ضغط الدم، والشحوم في الدم، ليحافظ على سلامة عينيه، حيث إنه يؤثر سلباً في العين بعد مضي 10 سنوات من الإصابة، والجدير بالذكر أن هذا التأثير لا يؤدي إلى فقدان البصر إلا عند نسبة قليلة من المرضى.

مضاعفات السكري على العين

تشير د. غالى إلى أن هناك الكثير من المشكلات التي يسببها داء السكري في العين، ومنها:
* تشوش الرؤية، الذي يعالجه البعض من تلقاء أنفسهم بشراء نظارة جديدة، ولكن يجب مراجعة طبيب العيون، فربما يكون مؤشراً لارتفاع مستوى السكر في الدم، ويمكن حله بضبط السكري (70-130 مل قبل الطعام، وأقل من 180 مل بعد الطعام) ليعود النظر إلى طبيعته خلال ثلاثة أشهر.
* الساد (الماء الأبيض)، وهو يعرف بعتامة العدسة، حيث إن عمل عدسة العين، يشبه تماماً عمل عدسة كاميرا التصوير، التي تصاب بالعتامة مع التقدم في العمر، وتحدث بشكل مبكر عند مريض داء السكري، وتبدأ بضعف الرؤية وتشوشها، ويتم علاجها بالتدخل الجراحي، باستبدال العدسة المعتمة بغيرها نظيفة وشفافة.
* الزرق (الجلوكوما) وهو ما يعرف بارتفاع الضغط داخل العين، الذي يحدث بسبب عدم تصريف السائل داخل العين بشكل جيد، فيتضرر العصب البصري، والأوعية الدموية للعين، ويضعف النظر، ويجب الانتباه إلى أن أعراض ارتفاع الضغط داخل العين والتي تكون على هيئة: صداع، ألم العين، تشوش الرؤية، دماع، انزعاج من الضياء مع رؤية هالات، وفقدان البصر، ويتم علاج الجلوكوما بالقطرات العينية، الليزر أو الجراحة، ويتم تحديد ذلك بحسب حالة المريض.
* وذمة اللطخة الصفراء، حيث يؤدي السكري لفقد مرونة جدران الشعيرات الدموية، ما ينتج عنه تسريب السوائل إلى اللطخة الصفراء (وهو الجزء المسؤول عن الرؤية المركزية بالعين) وينتج عنه تشوش الرؤية، ويتم علاجها سريعاً وبشكل فعال عن طريق حقن داخل العين.
* الزرق الوعائي، وهو يحدث نتيجة نمو أوعية دموية حديثة على قزحية العين (الجزء الملون في العين)، ما يمنع تصريف سائل العين بالشكل الطبيعي، وبالتالي ارتفاع بضغط العين، ويعد هذا النوع من الزرق صعب المعالجة، وربما يلجأ الطبيب لزرع صمام داخل العين لتنظيم ضغط العين.

إصابات القرنية

يذكر الدكتور محمد عماد عليلو أخصائي أمراض القرنية وتصحيح البصر بالليزر، أن الإصابة بداء السكري تتميز بإحداث تغيرات استقلابية على مستوى الخلايا في جميع أنحاء الجسم، ما ينجم عنه اضطراب في عمل هذه الخلايا، يتجلى على شكل أعراض تتنوع باختلاف العضو المصاب، حيث تتأثر العين كغيرها من الأعضاء بهذا الاضطراب الاستقلابي، ولأن القرنية هي الجزء الأمامي الشفاف للعين فهي من أكثر أجزاء العين حساسية لهذه التغيرات، وتتألف القرنية من مجموعة من الطبقات تبدأ بالظهارية، وتنتهي ببطانة القرنية، وتحتوي هذه الطبقات على شبكات أعصاب حساسة مسؤولة عن سلامة أدائها من خلال إرسال نبضات عصبية تزيد من معدل إفراز الدمع أو تنشط عملية استبدال الخلايا التالفة على سطح القرنية.

اعتلال الأعصاب

يشير د. عليلو إلى أن مرضي السكري يتعرضون لاعتلال الأعصاب السكري، ما يؤدي إلى نقص حساسية القرنية، وبالتالي توقف آلية التنبيه العصبي التي تساهم في المحافظة على سلامة القرنية و سطح العين، ما يجعلها أكثر عرضة للجفاف، والتقرحات، ومن جهة أخرى تتراكم نواتج الاستقلاب غير الطبيعي للسكر في خلايا ظهارية القرنية، ما يعرض هذه الخلايا لأن تكون هشة وسريعة الموت، كما يقل عدد الروابط التي تربط هذه الخلايا بالغشاء القاعدي للقرنية، ما يسهل عملية حدوث سحجات القرنية المعاودة، وسريرياً تتنوع التظاهرات المرضية للقرنية عند المصابين بالسكري من جفاف العين، ونقص إفراز الدمع مروراً بحدوث اعتلال القرنية النقطي، وسحجات القرنية المعاودة، ووصولاً إلى حالات قرحات القرنية المعتمدة على العلاج ولا سيما لدى مستخدمي العدسات اللاصقة من المرضى.

العدسات اللاصقة

يذكر د.عليلو أن استخدام العدسات اللاصقة لدى المرضى بالسكري، يشكل تحدياً مزدوجاً إذ إن هشاشة بنية سطح القرنية، وترافق ذلك مع نسبة جفاف دمع عالية يجعل من السهولة، حدوث خدوش وسحجات القرنية الناجمة عن العدسات اللاصقة، وبالمقابل فإن السكري مسؤول عن ضعف آلية الترميم على سطح العين، ما يؤخر عملية التئام هذه السحجات و شفائها لذا كان لزاماً على المصابين بالسكري توخي الحذر الشديد عند استعمالهم العدسات اللاصقة باتباع التعليمات الصارمة لتنظيف العدسات وتعقيمها، والانتباه إلى أي بوادر أولية للإصابة العينية بالعدسات كاحمرار العين أو تشوش الرؤية و المبادرة لزيارة طبيب العيون فور الشعور بهذه الأعراض لتلقي العلاج اللازم قبل وصول الإصابة إلى مرحلة قرحات القرنية، إذ إن ضعف الاستجابة المناعية لمرضي السكريين يجعل من الصعوبة بمكان معالجة قرحات القرنية لديهم ويطيل أمد المعالجة، ما يعرض القرنية لعواقب شديدة، ويترك كثافات تسبب فقدان الرؤية في العين المصابة ما لم يتم إجراء عملية زرع قرنية.
يستكمل: يجب على المرضى بشكل عام المحافظة على صحة القرنية وسطح العين من خلال الاستعمال المتكرر للمرطبات العينية الخاصة، والابتعاد عن الرضوض أو فرك العين بطريقة جائرة، بالإضافة لتجنب الأماكن المغبرة والملوثة وارتداء النظارات الشمسية المناسبة، حيث إن هذه الإجراءات البسيطة تقي العين من الجفاف، والالتهابات المختلفة التي تؤثر في أداء الفرد لمهامه اليومية، وتحسن من نوعية حياة المرضى بالسكري.

متابعة مختص العيون

تعد الوقاية من مضاعفات السكري، مهمة في المحافظة على صحة المريض، وهناك بعض الخطوات الواجب اتباعها لعدم تعرض المريض للخطر أو حدوث مضاعفات، ويتم ذلك عن طريق المتابعة مع مختص العيون، التغذية، والغدد الصماء، بالكشف الدوري السنوي لمتابعة حدوث أي تغيرات ربما تطرأ على الشبكية، وكذلك إجراء فحص للعين بعد توسيع الحدقة، أما بالنسبة للسيدات الحوامل فيجب فحصهن بشكل دوري خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، أما كبار السن فيتم الفحص خلال شهور من تشخيص السكر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى