سبايك لي: «حمى الغابة» أول مطرقة للبيض والسود

هوليوود: محمد رُضا

سبايك لي ليس من المخرجين الذين ينشدون النجاح في أفلام تشبه أفلام سواهم. أعماله المتوالية منذ منتصف الثمانينات دأبت على طرح الموضوع العنصري وبلغة فذة لا تحاول استغلال الموضوع سعياً وراء النجاح التجاري، بل لتقديم رسالة اجتماعية مضمونها أن العنصرية موجودة ومتفشية ومنتشرة في الولايات المتحدة اليوم، كما كانت بالأمس.
هذا ما اتضح في سلسلة أفلامه حول هذا الموضوع الأقرب إلى اهتمامه من أي موضوع آخر. منذ «حمى الغابة» و«افعل الشيء الصحيح» وهو يدق بالمطرقة على مسمار العنصرية ليوضح أموراً مهمة للبيض والسود على حد سواء.
سبايك لي هو المخرج الذي سعى منذ تلك الآونة إلى تحقيق فيلم من السيرة الذاتية لحياة وأفكار المناضل الأفرو- أمريكي مالكلوم إكس. وهو الذي ثابر التطرق على هذا الموضوع في العديد من أفلامه وصولاً إلى فيلمه الجديد «بلاك كانسمان» (كما اختار عنوانه) ولو أنه في هذا الفيلم يجد نفسه أمام جيل جديد من المشاهدين لم يكن متوفراً أيام أفلامه السابقة في الثمانينات والتسعينات.
«بلاك كانسمان» مأخوذ عن مذكرات نشرت كتاباً سنة 2014 لرجل أفرو-أمريكي اسمه رون ستولوورث. وهذا وُلد سنة 1953 وأصبح أول رجل بوليس أسود في مدينة كولورادو سبرينج في ولاية كولورادو وهو في التاسعة عشرة من عمره.
ستولوورث خدع أعتى المنظمات الأمريكية العنصرية، وهي منظمة «كوكلس كلان»، لقبوله عضواً بعد اتصاله بأحد رؤسائها والادعاء، هاتفياً، بأنه شخص أبيض يشارك العصبة العنصرية مبادئها. هذا ما دعا العصبة للتقدم إليه بعرض انضمامه إليها حتى من قبل أن تراه.
الفيلم يسرد ما يرد في الكتاب ويكمل رصف أحداث نابعة منه. لكن سواء كان المشاهد قرأ تلك المذكرات أو لم يقرأها فإن قدراً من الذهول يرتسم من مطلع الفيلم وحتى نهايته، ناتج عن كيف استطاع ستولوورث، كما يؤديه جون ديفيد واشنطن وهو ابن الممثل دنزل واشنطن خداع أعتى منظمة عنصرية في الولايات المتحدة، تلك التي مجّدها ديفيد وورك جريفيث في فيلمه (الرائع فنياً) «مولد أمة» سنة 1915.
اكتشف المخرج عبر هذا الفيلم أنه ما زال مهتماً بالموضوع ويستطيع سبر غوره على أكثر من وجه. في الوقت ذاته اكتشف أيضاً أن الجمهور الكبير الذي شاهد أفلامه السابقة المماثلة في رسالاتها، ما زال موجوداً وفوقه ذلك الجيل الجديد الذي يريد أن يعرف لماذا تعيش العنصرية في المجتمع الأمريكي وكيف.
المقابلة الآتية تجيب عن بعض هذه الأسئلة وتضيف أخرى.

أعتقد أن جمهورك والمحبين للسينما التي تقدمها كانوا ينتظرون منك هذا الفيلم منذ وقت طويل. ما الذي أخّر مثل هذا المشروع؟

– بدأت العمل في السينما قبل ثلاثين سنة تقريباً. كنت أبحث عن فيلم يكون شبيهاً من حيث مناهضته للعنصرية التي يعانيها الأفرو-أمريكان لأفلامي الأولى مثل «حمى الغابة». والذي أخرني إلى الآن هو بصراحة أنني لم أجد هذا المشروع حاضراً إلا منذ عامين.

ما الذي جذبك إلى هذا المشروع بالتحديد؟
– الرغبة في أن أطرح موضوعاً اجتماعياً ساخراً بطريقة استفزازية كحال أفلامي السابقة كانت هناك الحقيقة الآتية: ستولوورث فعل ما لم يجرؤ إليه أحد: ضحك على عصبة الكوكلس كلان وانضم إليهم وهو عدوهم. لم يكتشفوا إلا متأخرين أنهم كانوا ضحية خدعة ناجحة من رجل شرطة غيّر لهجته على الهاتف وكسب ثقتهم ثم بعث من ينوب عنه ويدّعي أنه هو.

إذاً كيف بدأ المشروع معك؟

– أخبرني المنتج جوردان بيل عن رون ستولوورث وكتابه، فلم أكن سمعت أو قرأت أي شيء عنهما. ما أن ذكر لي بيل المشروع حتى أثار اهتمامي وأعلنت له أنني أريد تحقيق هذا الفيلم.
صدرت المذكرات التي وضعها الشرطي ستولوورث سنة 2014

متى تم هذا الاتصال بينك وبين بيل؟

– في منتصف سنة 2017 بدأ الإنتاج والتصوير كان بعد شهرين وأنجزنا التصوير في الثالث من مايو/‏‏ أيار من نفس العام.

ما التغييرات الرئيسية الأخرى التي قمت بها إلى جانب تغيير شخص مساعد ستولوورث؟

– إذا قرأت الكتاب وشاهدت الفيلم ستدرك أننا غيرنا القليل من التغييرات نسبياً. تعرف أن ليس كل ما يرد في الكتاب قد يكون صالحاً للاقتباس. الكتاب له عالمه والفيلم له عالمه، ولا أعتقد أن أحداً يريد أن يعرف تاريخ ستولوورث الشخصي قبل أن يصبح شرطياً في مدينة كولورادو سبرينجز. اكتفينا بالذكر بأنه كان أول شرطي أسود في تاريخ المدينة وهذا حقيقي كما تعلم وبسرد الأحداث المتعلقة بما قام به مخترقاً الكوكلس كلان.

يبدأ فيلمك بالممثل إليك بولدوين وهو يلقي محاضرة نارية معادية للسود. ووراءه مشاهد من فيلم «مولد أمة» لديفيد وورك جريفيث. كيف فكّرت في الجمع بين الاثنين؟

– تسألني كيف ولا تسألني لماذا وهذا جيد لأن السبب معروف للجميع: «مولد أمّة» من أهم الأفلام المعادية للأفرو-أمريكيين. الذي حدث عندما كنت أدرس السينما في معهد نيويورك أن المعلّم تحدث طويلاً عن موهبة جريفيث وإبداعه وتعرفنا نحن، كطلاب سينما، إلى ذلك وقبلنا به إلى أن تم عرض الفيلم علينا.
أنت صنعت أفلاماً ضد العنصرية لكنك ابتعدت عن تنميط البيض. حتى ظهور إليك بولدوين في تلك المشاهد القصيرة في مطلع الفيلم لا يسعى للنيل من شخصيته بل مجرد تقديمه، كما أعتقد.
– أنا فخور في أن بعض أفلامي، مثل «حمى الغابة» و«افعل الشيء الصحيح» فتحت الأعين على الواقع الاجتماعي العام وما يدور تحت ستار المعايشة، حيث يعتقد البعض أن الضغينة محصورة في بعض الناس بينما هي، وكما رأينا من خلال أحداث متعددة في العام الماضي وما قبله، موجودة على نحو أكثر شيوعاً مما نعتقد.
أحد شخصياتك الثورية في «بلاك كانسمان» يتحدث عن كيف تم حفر هذه الصورة النمطية في السينما عبر أفلام أخرى، مثل أفلام طرزان. – الخطير جداً في نظري هو أنه، وحسب تلك الشخصية الحقيقية…

حقيقية؟

– كوامي توري كان من بين المناضلين في سبيل الحقوق والمساواة. حسب تلك الشخصية في أحد خطبها فإن أفلام طرزان جعلته يشعر، كأفرو-أمريكان، بكرهه للأفارقة. قدمتهم أفلام طرزان كمتوحشين يستحقون القتل والقاتل هو الرجل الأبيض الذي كانت أفلامه تطلب من السود والبيض من المشاهدين اعتباره بطلاً.

يذكر فيلمك أيضاً أفلام البطولة السوداء التي ظهرت في السبعينات وانتشرت بشكل واسع. تلك المسماة «بلاك إكسبلويتاشن». هل ذكرها من باب الرد على فيلم «مولد أمّة»؟

– لا. ليس هذا هو المنشود. تلك الأفلام، مثل «شافت» و«كوفي» و«كليوباترا جونز» و«سوبرفلاي» كشفت وجهاً غير معتاد. إنها أفلام لا تقدم حلولاً للقضايا الاجتماعية لكنها تنتقم بطريقتها من التفرقة العنصرية. فجأة صار لهذه الأفلام أبطال سود.
فجأة أصبح هؤلاء من الشخصيات الشهيرة، والممثلون والممثلات مثل رتشارد راوندتري وبام جرير من الممثلين النجوم. هذا جزء من التاريخ وذكرهم في هذا الفيلم يدخل في طيات التذكير بتاريخ السينما التي تعاملت سلباً أو إيجاباً مع الموضوع العنصري.

هناك ناحية المزج بين التسجيلي والروائي. في هذا الفيلم كما في الكثير من أفلامك الأخرى. مثلاً في فيلمك «مالكولم إكس». هل هي طريقة للتذكير بأهمية الفيلم التسجيلي مثلاً أو للتدليل على الواقع؟

– لا أفكر في هذا الجانب مطلقاً، لكن إذا ما خدم منهجي فكرة التدليل على الواقع لا بأس. المسألة هي أنني حققت وما زلت، أفلاماً تسجيلية وروائية وأحب أن أدمج الاثنين معاً من دون تغليب التسجيلي. أقصد أنني أختار المناسبات الصحيحة والمحدودة، ولا يمكن لي أن أترك المشاهد حائراً إذا ما كان فيلمي هو تسجيليا أو روائيا. لكل شروطه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى