«روما» يتناول سيرة مخرجه في صباه

محمد رُضا

لا علاقة لعنوان الفيلم الفائز بجائزة الأسد الذهبي، مع نهاية أعمال الدورة الخامسة والسبعين لمهرجان فينسيا السينمائي 29 أغسطس/ آب – 8 سبتمبر/ أيلول وهو «روما» بالعاصمة الإيطالية على الإطلاق.
الفيلم الذي أخرجه ألفونسو كوارون لم يفز فقط بجائزة أهم مهرجان سينمائي أوروبي هذا العام، بل كذلك بجواز سفر يخوّل هذا الفيلم الاجتماعي الحميم دخول سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي.
فيلم كوارون، المخرج الذي من بين أفلامه المهمّة «أطفال الرجال» و«جاذبية»، هو استيحاء من ذكرياته. يختار المخرج سرد حكاية مستوحاة من ذكرياته عندما كان صبياً يعيش وسط عائلته المرتاحة مادياً في ضاحية روما في العاصمة المكسيكية. الفيلم ليس سيرة ذاتية، كما هي العادة في مثل هذه الأعمال، بل حكاية الخادمة التي تعمل لدى العائلة، وذلك من وجهة نظره كشاهد على بعض ما حدث لها خلال تلك السنوات الغابرة من حياته.
في الوقت ذاته فإن عنوان الفيلم له علاقة بضاحية «كولونيا روما» في العاصمة المكسيكية. والأحداث تقع في مطلع السبعينات والتصوير بالأبيض والأسود وقام به المخرج بنفسه وهو كتب السيناريو وشارك في التوليف كذلك. استخدم كاميرا من نوع ARRI ALEXA بمقاس عريض (65 مم) وصوّر في منزل واسع مؤلف من طابقين يحتوي على الزوجين وأم أحدهما وأربعة أولاد (بينهم فتاة واحدة) وخادمتين.
الخادمة كليو (ياليتزا أبريكيو) شابة من السكان الأصليين (هنود المكسيك) كذلك الخادمة الأخرى الأكبر سناً، بينما العائلة ذاتها إسبانية الأصول. تتعرّف كليو على شاب، تحبل منه بعد حين، لكنه يتركها ويعود إلى البيئة الهندية التي جاء منها. ستحمل كليو، خبر حبلها إلى ربة البيت صوفيا (مارينا دي تافيرا) التي توصي بقبول الواقع. ذات يوم تقصد الجدة وكليو، متجراً في الحي لشراء سرير صغير للطفل المنتظر. خلال وجودهما في المحل تقع مواجهة بين الأمن والمتظاهرين ويلاحق رجال أمن، مدنيون، أحد المتظاهرين داخل المتجر ويقتلونه. سواء نتيجة الصدمة أو نتيجة الإجهاد فإن الطفل يولد، في اليوم نفسه، ميتاً.
يبني المخرج فيلمه على محطات متباعدة من الأحداث. ليست هناك حبكة ولا هو بوادر صنع فيلم تقليدي وهذا أيضاً يأتي في عداد ما يرد في الذاكرة الشخصية. إنه يتذكر مرحلة وليس حكاية. رغم هذا فإن المشاهد قد يشعر بالتعب من جراء مشاهدة حالات مختارة لا تتوحد تحت قبضة الحبكة الواحدة، لكن ما بين خيانة الذات لتحقيق فيلم أكثر جماهيرية وبين الالتصاق بواقع معبّر عنه بحس توّاق للحنان والألفة ولا يخلو من الشعر بصرياً فإن اختيار المخرج كان واضحاً وصائباً.
المخرج المكسيكي الذي يعمل في هوليوود، ووجد في شركة «نتفلكس»، الترحيب لتمويل فيلمه هذا، هو المخرج الوحيد الذي يعود إلى التاريخ، بل هناك العديد من الأفلام يتقدمها فيلم مايك لي «بيترلو».
إنه فيلم بريطاني- أمريكي الإنتاج، كان من المقرر له دخول مهرجان «كان» الماضي (مايو/ أيار )، لولا أن المهرجان الفرنسي لا يستطيع قبول إنتاجات شركات لا تعرض أفلامها في صالات السينما. و«بيترلو»، هو من إنتاج شركة أمازون التي تعرض أفلامها، مثل نتفلكس، في المنازل مباشرة. يتعامل هنا مع أحداث وقعت في مانشستر في العام 1819 عندما أدى فساد الحكومة وارتفاع نسبة الضرائب وتجاهل مطالب المزارعين والفقراء عموماً إلى مظاهرة حاشدة واجهتها الحكومة المركزية والبرلمان البريطاني بعنف، ما نتج عنه مقتل عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال.
يبدأ مايك لي فيلمه بموقعة ووترلو سنة 1815. المعركة دائرة. قصف وقنص وقتال وهناك جندي مذهول بما شاهده (ديفيد مورست) يترك الموقع ويمشي عائداً إلى بيت والدته منهكاً. سيتركه الفيلم عند هذه اللحظة ويتابع شخصيات أخرى أكثر حضوراً، ولو أننا نشاهد الجندي في بضع مشاهد موزعة، بينها مشهد الواقعة التالية بين المتظاهرين وقوى الأمن. لي سيوجه اهتمامه للشخصيات التي قادت التمرد وتلك التي في المعسكر المقابل من رئيس الوزراء إلى القائد العسكري وإلى رئيس البرلمان وصولاً إلى أصحاب المصالح السياسية والمالية المناهضة للثورة التي تأخذ وقتها قبل أن تنضج. ينتقل المخرج بين الموقفين أكثر من مرّة، لكنه يصرف معظمه، ولسبب وجيه، على دعاة الثورة ضد الفساد الحكومي وبينهم من يؤمن بحمل السلاح لمواجهة استعداد الأمن لمجابهة المظاهرات بالقوة ومن يؤمن بأن تبقى المظاهرات سلمية من دون حتى عصا أو حجارة. في مقدّمة هؤلاء الخطيب الآتي من لندن هنري هنت (روري كينير) الذي يبدو شخصاً نافذاً وخطيباً جهورياً لكن بعيد عن التعامل مع الواقع.
المشكلة التي يواجهها المشاهد مع هذا الفيلم، هي أن ما يُعرض كثير وكثيف لكنه ليس حاراً. هذا الفيلم، الذي كان سيتوجه إلى مهرجان «كان» ثم عدل عن ذلك ليدخل فينيسيا، كان بحاجة إلى ما هو أكثر من العرض بقليل. يصل إلى تصوير وضع غير منصف للعموم (مشاهد المحاكمات حيث تؤدي سرقة معطف قديم إلى إعدام السارق)، ثم يتقهقر مكتفياً بسرد التفاصيل المثيرة للاهتمام كمعالجة وتكوينات بصرية.
في سياق العودة إلى التاريخ لا يمكن تجاهل فيلمين آخرين هما «غروب» و«عند بوابة الأبدية». الفيلم الأول هو للمخرج لازلو نيميش صاحب «ابن شاوول» الذي شهد تقديراً أعلى مما يستحق. ولو فاز هذا الفيلم لحصد المصير نفسه. يشبه فيلمه السابق «ابن شاوول» من حيث الأسلوب العريض والعام: التركيز على محنة شخصية واحدة محاطة بمئات الأشخاص الذين لا أهمية لهم بالنسبة للأحدث. مجاميع تمر في الأسواق أو تتظاهر وشخصيات أخرى لها أدوار تدخل وتخرج من السياق متى شيء لها. ضجيج متعالٍ مع تفعيل شريط الصوت ليضم أي شيء ممكن ضمه وفي وقت واحد: صوت مطرقة، صوت عجلات عربة أو حوافر الجياد أو خليط من أصوات أخرى لا تحديد لها. فوق ذلك، صوت خطوات بطلة الفيلم وهي تنشد البحث عن أخيها منتقلة ما بين شخصيات عرفته لكنها لا تودّ الإفصاح عن مكانه.
غروب نيميش الفيلم من نحو ثلاث ساعات (كشأن معظم الأفلام التي عرضت في المسابقة) مصوّر بالأبيض والأسود وبكاميرا فيلم وليس بكاميرا دجيتال. خذ مثلاً المشاهد التي تلاحق الكاميرا، فيها بطلة الفيلم في كل مرة تخرج فيها من مشهد داخلي إلى آخر خارجي. تسير بتؤدة وعزيمة حتى عندما لا يكون لديها علم إلى أين هي ماضية. الكاميرا في كل هذه المشاهد والحالات تلحقها في لقطة خلفية متوسطة. دائماً على البعد نفسه، وبذات الحجم ما يجعل من البديهي القول إنه لو تخلى المخرج عن نصف هذه المشاهد المتكررة لاستطاع توفير فيلم من نحو ساعتين وربع الساعة أو نحوها.
أما «عند بوابة الأبدية» فهو للأمريكي جوليان شنابل، الذي يروي جانباً من حياة الفنان فنسنت فان جوخ.
كان هذا الرسام موضوع العديد من الأفلام عبر سنوات التاريخ. من أوائل تلك الأعمال «شهوة للحياة» لفنسنت مينيللي (1956) الذي قام كيرك دوجلاس ببطولة الدور ومن آخرها فيلم الرسوم البولندي – البريطاني «حب ڤنسنت» لدوريتا كوبيلة (2016). بين الفيلمين هناك «فنسنت وثيو» لروبرت ألتمن (1974) والفيلم التلفزيوني «البيت الأصفر» الذي تم إنجازه سنة 2007.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى