الفقرات العنقية.. حلول حديثة لمشكلة مؤلمة

تحقيق: راندا جرجس

متلازمة الفقرات العنقية، مصطلح يطلق على الآلام الضاغطة التي تحدث في منطقة مؤخرة الرقبة والأكتاف، والأذرع التي تصيب الكثيرين من الأشخاص، والتي يمكن أن تتطور مع الوقت، ويؤدى عدم الاهتمام بعلاجها إلى أن تكون حادة، مفاجئة، أو مزمنة، تزداد مع ممارسة مجهود جسدي شديد، وتعود أسباب الإصابة إلى وضعيات الجلوس الخاطئة، أثناء العمل، أو في المنزل وخاصة مع انتشار الأجهزة اللوحية الإلكترونية، كما أن هناك بعض الأمراض التي يمكن أن تزيد من فرص الإصابة كالضغط العصبي المستمر، الالتهابات.. وغيرها، وفى الآونة الأخيرة أصبحت هناك علاجات وتقنيات حديثة للتخلص من هذه الآلام بطرق أبسط وأسرع مما كان.
يقول الدكتور عادل جبريل مختص أمراض الروماتيزم والمفاصل، إن متلازمة الفقرات العنقية المزمنة، ترجع إلى الأوضاع الجسدية الخاطئة، مثل عدم اتخاذ وضعية قائمة أثناء الجلوس أو أثناء العمل أمام شاشة الحاسوب، كما أن الضغط العصبي المستمر يزيد فرص الإصابة بها، بالإضافة إلى الالتهابات والتغيرات التنكسية الناجمة عن داء القرص التنكسي، وتظهر أعراض المتلازمة في صورة آلام ضاغطة في منطقة الرقبة والأكتاف، وتزداد عند تحريك الرأس، ثم تنتشر في منطقة الذراع، كما تتعرض العضلات للشد والتيبس، ويكون هناك شعور ببعض الاضطرابات الحسية، مثل الخدر أو الوخز، التي تصل في بعض الحالات إلى حد بوادر الشلل في منطقة الرقبة والكتف والذراع، ومن الأعراض الأخرى الصداع والدوار واضطرابات الرؤية وطنين الأذن.

أسباب الإصابة

يذكر د. جبريل أن الشعور بآلام الرقبة ينتج عن مشاكل عديدة في العمود الفقري، وربما ينشأ بسبب ضيق العضلات في كل من الرقبة والجزء العلوي من الظهر، أو الأعصاب النابعة من الفقرات العنقية، كما يمكن أن يخلق تعطّل مفصل الرقبة، أو مفصل الجزء العلوي من الظهر الألم، والجدير بالذكر أنه يتم اعتماد ثبات الرأس عن طريق الجزء الأسفل من الرقبة وأعلى الظهر، وهذه المناطق عادة ما تسبب آلام الرقبة، وتسمح أعلى ثلاثة مفاصل في الرقبة بمعظم حركة الرقبة والرأس، أما المفاصل السفلى في الرقبة ومفاصل أعلى الظهر فتخلق بنية داعمة لاستقرار الرأس، إذا تأثر هذا النظام الداعم سلباً، ستشدد العضلات في المنطقة، ما يؤدي إلى آلام الرقبة.
يضيف: ربما تنشأ آلام الرقـــبة من أي من الأجزاء في العـــنق بما في ذلك الأوعية الدموية، والأعصاب، وممر الهواء، الجهاز الهضمي، العضلي، الهيكل العظمي أو تكون سبب الآلام من مناطق أخرى من الجسم، مثل: تسلّخ الشريان السباتي، متلازمة الشريان التاجي الحادة، سرطان الرأس والعنق، الإجهاد الجسدي والعضلي، الضغط النفسي، والانزلاق الغضروفي.

تشخيص المشكلات العنقية

يبين د. جبريل أن التشخيص يبدأ بالفحص السريري، الذي يمكن أن يكشف عن وجود بعض العلامات مثل:-
* تمدد في حركة الفقرات العنقية.
* شد وتقلص في العضلات المحيطة بالرقبة والكتفين.
* وجود نواقص عصبية في اليدين أو القدمين مثل تغير المنعكسات العصبية أو فقدان الإحساس في بعض الأصابع.
يستكمل: يأتي بعد ذلك دور الأشعة السينية، التي تبين وجود شد في عضلات العنق أو وجود خشونة في الرقبة، أما أفضل وأحدث الطرق في تشخيص مشاكل الفقرات العنقية، فهي أشعة الرنين المغناطيسي (MRI) التي تبين بدقة ووضوح وجود أي تغيرات رثوية، انزلاقات غضروفية، أو أي آثار لالتهابات، أو أورام في الفقرات العنقية، وقد يلجأ الطبيب إلى طلب بعض الفحوصات المخبرية كتحاليل الدم وغير ذلك ومن الأسباب التقدم في العمر والإصابة بالروماتيزم وديسك الرقبة

وضعيات وقائية

يوصي د.جبريل ببعض النصائح والإرشادات التي تساعد على الحد من حدوث آلام الفقرات العنقية مثل:
* تجنب الاستمرار في وضع الجلوس لفترة طويلة، خاصة عندما يكون الشخص مضطراً لتثبيت وضع الرقبة في اتجاه واحد، كأوقات القراءة، الكتابة، مشاهدة التلفزيون، مع الحفاظ على وضع الرأس مستقيماً.
* الحد من تعريض الرقبة لتيارات الهواء، وأيضاً التغيرات المفاجئة للجو كالانتقال من جو ساخن إلى التكييف البارد.
* يجب أن يتفادى مريض آلام الرقبة، حمل الأشياء الثقيلة، أو دفعها بقوة.
* تجنب الأوضاع التي يضطر فيها إلى رفع رأسه لأعلى لفترة طويلة مثل عمال دهان السقف،
* الحد من أخذ وضع الانحناء والرجوع بالرأس للخلف، قدر الإمكان لتجنب الضغوط، ومن ثم الألم وتقلص العضلات.
* الاحتفاظ بالرأس والرقبة في وضع مستقيم أثناء النوم، بحيث لا تكون الوسائد عالية، أو منخفضة، سواء كان الشخص ينام على جانبه أوظهره.

وسائل علاجية

يؤكد د. جبريل أن الجزء الأكبر من علاج الحالات يشتمل على الدمج بين العلاج الدوائي والعلاج الذاتي، مع التركيز على تقليص الأعراض المصاحبة للمرض، قدر المستطاع، وتحسين الوضع الصحّي العام للمريض، ويساهم العلاج الدوائي، أيضاً، في الحد من الألم الناجم عن حالة الألم ويحسّن من جودة النوم لدى المريض، كما يعتمد علاج آلام الرقبة على سبب الإصابة في الغالبية العظمى من الأشخاص، كما وجِد أن ممارسة الرياضة بالإضافة إلى تحريك المفاصل (تعديل الفقرات) يكون مفيداً في كل من اضطرابات الرقبة الميكانيكية الحادة والمزمنة، ويؤدي تحريك الفقرات العنقية إلى تغييرات فورية، وقصيرة الأجل، ربما يساعد تحريك عضلات الصدر في تحسين الألم، كما تبين أن العلاج بالليزر منخفض المستوى يحد من الألم فوراً بعد العلاج في آلام الرقبة الحادة ويصل إلى 22 أسبوعاً بعد الانتهاء من العلاج في المرضى الذين يعانون من آلام الرقبة المزمنة، ومن التوصيات التي تساعد على التخفيف من الأعراض تطبيق الحرارة أو البرودة وتشمل العلاجات الأخرى الشائعة:-
* الأدوية، حيث يُنصَح بالمسكنات، مضادات الالتهاب غير الستيرويدية للألم، كما تُوصف مرخيات العضلات المعروفة بأنها فعالة، ومع ذلك، وكذلك ربما تكون الكريمات واللاصقات الموضعية المُتاحة دون وصفة طبية فعّالة لبعض المرضى.
* العلاج الجراحي، لا يتم تحديد عملية جراحية لعلاج الأسباب الميكانيكية لآلام الرقبة، إذا كانت آلام الرقبة ناتجة عن عدم الاستقرار، السرطان، أو عملية جراحية لمرض آخر، فربما يكون من الضروري القيام بعملية جراحية، وعادةً لا يتم تحديد عملية جراحية لعلاج فتق الأقراص ما لم يكن هناك ضغط على الحبل الشوكي أو إذا طال الألم والعجز لعدة شهور.
* العلاجات البديلة والمكمّلة لمواجهة الألم مثل: اليوجا والتأمل، الوخز بالإبر، المعالجة اليدوية (الكيروبراكتيك)، العلاج بالتدليك، وعلى الرغم من أنها علاجات موجودة من سنوات، إلاّ أن الآونة الأخيرة شهدت تنامي الوعي بهذه العلاجات، لاسيما لمعالجة الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، كالألم العضلي الليفي، كما أثبتت أنها قادرة على أن تخفف من الألم ومن أعراض الضغط النفسي، بينما يتقدم بعضها الآخر ليصبح جزءاً
لايتجزأ من طرق العلاج في إطار الطب التقليدي، ومن بين العلاجات المكمّلة أو البديلة التي قد تخفّف وتحسّن من التعامل مع الألم.

علاجات حديثة

عن أحدث التقنيات في علاج آلام الفقرات العنقية يذكر الدكتور هيثم العقيلي استشاري جراحة العمود الفقري، أن تقنية ديتراكس تُستخدم لعلاج الآلام المزمنة أو المتكررة في الرقبة، التي تحدث نتيجة تزايد استخدام التكنولوجيا، الأعمال المكتبية، الحواسيب، قيادة السيارة لفترات طويلة، التوتر، الضغط العصبي، وأيضاً في وجود نقص فيتامين (د) أو (ب12) أو نقص مخزون الحديد، وأيضاً لعلاج الصداع المتكرر الذي يكون جزءاً من أسبابه الشد العضلي، خشونة الرقبة، وأيضاً الحد من المشكلات المصاحبة لمشاكل الرقبة مثل: الدوخة، تنميل الأطراف، الشد العضلي، محدودية حركة الرقبة، وأحياناً الكتف.

نقلة نوعية

يشير د.العقيلي إلى أن تقنية ديتراكس تعتبر نقلة نوعية مهمة في علاج الآم العمود الفقري والرقبة والأعراض المصاحبة لهما، حيث إن هذه التقنية تعالج مصدر الألم ذاته، وبالتالي تعتبر حلاً دائماً و نهائياً، ولذلك تم تطوير هذه التقنية بتضافر جهود علماء وجراحين وخبراء إصابات العمود الفقري، بالمراحل العلمية والعملية المعتمدة وبموافقة مؤسسة الغذاء والدواء الأمريكية، كما أجريت حسب مصادر الإحصاءات الطبية، آلاف العمليات، ولم تسجل أي مضاعفات مهمة، وعلى الرغم من أن 90% من حالات الإصابة بآلام الفقرات العنقية تستجيب للعلاج التحفظي مثل المسكنات، العلاج الطبيعي والعلاجات المكملة، إلاّ أنه يتبقى 10% تتحول لديهم الإصابة إلى مزمنة أو متكررة بحيث تؤثر على الحياة اليومية، تحتاج إلى تدخل جراحي بأنواعه، حيث كانت الحلول المتوفرة سابقاً إما بالجراحة التقليدية مع ما تحمله من احتمال مضاعفات، جروح، ندب ظاهرة في مقدمة أو خلف الرقبة أو من خلال إجراءات أخرى بنتائج مؤقتة، لاتخلو من احتمال المضاعفات مثل التردد الحراري أو كيّ العصب بالتيار أو الحقن في منطقة العصب.

تقنية ديتراكس

يفيد د.العقيلي أن تقنية ديتراكس تصنف ضمن جراحات اليوم الواحد، حيث يحضر المريض صباحاً إلى المستشفى صائماً، لتجرى له الفحوص السريرية والمخبرية، حيث تجرى هذه العملية من خلال فتحتين بطول سم واحد في أسفل الرقبة، غير ظاهرتين للعيان، وتستعمل المواد لمرة واحدة، لأنه لا يجوز تعقيمها واستخدامها لمريض آخر، ثم يتم زراعة حافظ مسافة صغير يتم فيه تعديل العمود الفقري للوضعية الأقرب للطبيعية،
ما يزيل الضغط عن الأعصاب والعضلات، واختفاء الأعراض مباشرة، خلال العملية ليست هناك أنسجة رئيسية سواء عصبية أو دموية في مسار العملية، ما يجعل احتمال المضاعفات ضئيلاً ويقترب من الصفر.
يستكمل: يقوم المريض بالحركة والمشي بعد حوالي ساعتين من العملية والاستفاقة من التخدير، ويغادر المستشفى خلال 24 ساعة، ويكون قادراً على السفر جواً و براً خلال 48 ساعة من العملية، وينصح المريض بالمشي كثيراً، وممارسة الحياة اليومية داخل البيت من دون مبالغة في الأسبوع الأول، ثم يبدأ زيادة الأنشطة في الأسبوع الثاني مثل الزيارات الخارجية، التسوق، أو القيام بالأعمال المنزلية الخفيفة، وبعد أسبوعين يستطيع المريض البدء بجلسات العلاج الطبيعي، وقيادة السيارة، لكن دون الدخول في الازدحامات المرورية، وممارسة رياضة المشي، الجري الخفيف، واستخدام الدراجة الهوائية الثابتة، وبعد مرور ثلاثة أو أربعة أسابيع يستطيع المريض العودة للعمل، مع الحرص على عدم ممارسة الرياضة التي تحتاج حمل أوزان أو حركات نسبياً عنيفة قبل 3 أشهر.

آلام الرقبة عند الصغار

ينتج الشعور بآلام الفقرات العنقية عند الأطفال عادة عن سوء استخدام العمود الفقري، في وضعيات جلوس غير صحيحة لساعات، سواء أثناء المذاكرة، أو استخدام الأجهزة الإلكترونية في اللعب، حيث يلاحظ ميل الطفل عادة للأمام وعدم الاستناد إلى ظهر الكرسي، كما يتعرض طلبة المدارس إلى حدوث آلام بالرقبة، نتيجة حمل الحقائب الثقيلة على الظهر التي يزيد وزنها على 10% من وزن الطفل، لذا يفضل استخدام الحقائب المصحوبة بأحزمة إضافية، لتوزيع الأحمال على الجسم، وربما تكون الآلام ناتجة عن الإصابة بالأمراض الروماتيزمية، وبشكل عام يمكن حل مشاكل الأطفال دون تدخلات جراحية.6

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى