الساحل الإماراتي .. عنوان الحضارة وإنجازات تنمو وتتغير وتاريخ ينهض من جديد

تقع المدن الرئيسية في دولة الإمارات العربية المتحدة على الساحل وبالقرب من الخيران وأشهرها خور دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة تلك الخيران هي بمثابة الأنهار التي تشطر كل مدينة إلى نصفين وبعض المدن ولدت من رحم الجزر مثل مدينة أبو ظبي .

وجود الساحل والممرات المائية الحية والجزر سهل الاتصال بالعالم الآخر كما ساهمت في انتقال مؤثرات كثيرة من حضارة وتراث الشعوب الأخرى عبر تلك المجاري المائية .

وحسب الدراسات والبحوث ظهرت أول مستوطنات بشرية في دولة الإمارات أواخر العصر الحجري أي قبل نحو ستة آلاف عام ووجدت آثار هذه المستوطنات في الجزر القريبة والبعيدة مثل دلما ومروح وعلى طول الساحل وبدأ ارتباط إنسان هذه الأرض بالبحر والتجارة البحرية منذ حوالي 4 آلاف عام قبل الميلاد أي قبل ستة آلاف سنة في عهد حضارة /العبيد/ بوادي الرافدين .

وخلال العصر البرونزي /3200-1300 ق.م/ لعبت الإمارات دورا مهما في التجارة الإقليمية بتصدير النحاس واللؤلؤ إلى إمبراطورية وادي الرافدين واستيراد العاج والأواني الفخارية والبضائع الأخرى من أفغانستان وإيران ووادي اندس .

ولعب ساحل البحر دورا رئيسيا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وأظهرت حفريات الدور بأم القيوين ان للإمارات روابط مع الإمبراطورية الرومانية خلال العهد المسيحي في الوقت الذي كان لميناء دبا على الساحل الشرقي روابط تجارية مع الصين .

وبحلول القرن السابع الميلادي اعتنق بعض الناس الديانة المسيحية كما تظهر بقايا دير عثر عليها في جزيرة صير بني ياس لكن سرعان ما انتشر الإسلام ودخل الناس في الدين الجديد ومن ثم لعبوا دورا رئيسيا في نشر العقيدة الإسلامية في المناطق المجاورة ومناطق الشرق الأخرى انطلاقا من ميناء جلفار في رأس الخيمة .

ثم خضع الساحل الإماراتي مثله مثل باقي المنطقة إلى سيطرة البرتغاليين في القرن السادس عشر إلا ان الجبال ومناطق الداخل نجحت في الحفاظ على سيادتها وحريتها حيث يمكن إرجاع فترة قيام الدولة إلى هذه الفترة وبحلول نهاية القرن السادس عشر بسط تحالف قبائل بني ياس بقيادة أسرة آل نهيان التي يتحدر منها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان /طيب الله ثراه/ مؤسس وباني دولة الإمارات سيطرته على الجزء الغربي من البلاد حيث قامت إمارة ابوظبي ثم انتقلت عاصمتهم إلى جزيرة أبو ظبي على الساحل .

وركز أسلاف القواسم وهي الأسرة التي ينحدر منها حكاما الشارقة ورأس الخيمة أنفسهم بعد فترة قصيرة على الساحل الشمالي من البلاد وتحدت القوة البحرية للقواسم بحلول أوائل القرن التاسع عشر سطوة شركة الهند الشرقية البريطانية مما أدى وبعد نزاع متقطع لأكثر من عقد إلى الوجود البريطاني في المنطقة .

واستعاد حكام الإمارات سيادتهم على الشؤون الداخلية بموجب اتفاقيات وقعت مع البريطانيين في العام 1820 واستفادوا من الحماية البحرية البريطانية التي أدت إلى ازدهار مهنة استخراج اللؤلؤ على طول الساحل وظلت حرفة الغوص بحثا عن اللؤلؤ عنصرا رئيسا في الاقتصاد المحلي حتى الثلاثينات من القرن العشرين عندما تلقت ضربة مزدوجة جراء الركود الاقتصادي العالمي وظهور اللؤلؤ الاصطناعي وتلاشت بعد الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة حيث ظهر النفط الذي اكتشف بكميات تجارية عام 1958 وبدأ تصديره بعد ذلك بأربع سنوات حيث وضع أساس نمو اقتصادي غير وجه الحياة في الإمارات منذ ذلك الوقت وبدأ حكام الإمارات بقيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان /طيب الله ثراه/ مشاوراتهم التي أدت إلى إنشاء الدولة الاتحادية مباشرة عقب إعلان بريطانيا عزمها الانسحاب من المنطقة في عام 1968 ..ومن ثم ظهرت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الوجود وأصبحت كاملة العضوية في المجتمع الدولي في الثاني من ديسمبر عام 1971 .

ومن منطلق المقدمة السابقة اجمع الباحثون والمستشرقون من علماء تاريخ وآثار ورجال دين وسياسة على أن تاريخ دولة الإمارات ارتبط ارتباطا وثيقا بساحل الخليج فتاريخيا لو تتبعنا أهمية تاريخ الساحل لوجدناه يشكل جل تاريخ الإمارات قديما وحديثا بل وتعدى ذلك ليترك ساحل الإمارات بصمة قوية في تاريخ المنطقة القديم والحديث لأنه كان وما زال يمثل عامل جذب واستقرار فقامت بجواره حضارات عريقة وأصبح محطة للسفن التجارية التي تصل ما بين رأس الخليج وبقية الأجزاء الجنوبية في طريقها إلى عمان والهند وشرقي أفريقيا .

ويؤكد الخبراء والمؤرخون على ان ساحل الإمارات شهد استيطان أقوام عديدة عاشت عليه وعاصرت الحضارات القديمة مثل حضارتي وادي الرافدين ومصر القديمة ويرجع الفضل في التعرف إلى تاريخ الإمارات القديم إلى المنقبين الذين توغلوا في الماضي العريق وتمكنوا من كشف ما هو أبعد من الوجه الحديث للدولة التي تأسست في النصف الثاني من القرن الماضي .

ووجد المنقبون أكثر المستوطنات الحضارية بجوار الساحل الإماراتي وداخل الجزر فدير الرهبان يقع في غرب جزيرة صير بني ياس الذي يعود تاريخه إلى ما قبل العصر الإسلامي ومدينة الدور على ساحل ام القيوين كانت مدينة تجارية كبيرة ترجع إلى ألفي عام وتل الابرق يقع على الساحل بين الشارقة وأم القيوين وهي مستوطنة حصينة استمرت لأكثر من ألفي عام من حوالي 2500 ق . م إلى بداية العصر المسيحي ومنطقة شمل في رأس الخيمة تضم مدافن من القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد ومستوطنة كوش برأس الخيمة تعود إلى عهد ما قبل وبداية الإسلام وكذلك مدينة جلفار القديمة الواقعة شمال رأس الخيمة .

**********———-********** وبنيت على الساحل أهم القلاع والحصون بما فيها قصر الحصن في أبو ظبي وقلعة الفهيدي في دبي وحصن الشارقة وتلك الموجودة في عجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة وفي أماكن أخرى من الدولة وهي كانت مقرات للحكام المحليين .

وحياة الساحل تعتبر واحدة من تلك القواعد العريضة التي عجز ان يمحوها الزمن وقام عليها بناء أمة غارقة في القدم وأمجاد مشيدة ذاع صيتها في أقصى المعمورة ..كما ان مناطق الساحل القريبة من البحر والخيران تعتبر من أهم مناطق الاستيطان البشري في الدولة وتمتلك كنوزا حضارية وتاريخية أكدتها تقارير المنقبين عن الآثار وقد أفرزت هذه المناطق عبر سنوات طويلة أشكالا من الثقافة الشعبية والموروثات العريقة .

ويرجح كثير من المختصين فرضية ان تكون كثير من المدن أو القرى الساحلية القديمة في الإمارات قد غرقت وضاعت معالمها ولا يذكرها التاريخ الآن مثل منطقة /الفشت/ بالشارقة حيث كانت موجودة وغرقت كما ان /جلفار/ تأثر جزء من ساحلها بعمق 200 متر بنحر البحر قبل السبعينات فغرق وانطمر تحت مياه البحر كما أن منطقة /الزورا/ في عجمان متأثرة بهذا الأمر وكذلك /غناضة/ بين دبي وأبو ظبي وجزيرة /صير بو نعير/ التي غرق جزء منها في مكان تيار الماء .

ومن هذا المنطلق يعتبر منع الردم والحفر في مثل تلك المناطق ضرورة ملحة لان هذه الأعمال تدمر الآثار حيث تقوم البلديات والشركات بالحفر والدفن بطريقة عشوائية تدمر السواحل وما تحتويه من آثار وثروات ولابد ان تتكامل الأمور ويتم الاستئناس برأي المتخصصين والخبراء في مثل تلك الأعمال .

كما ان المعلومات والدلائل حول جزيرة دلما ترجح انه قد يكون حولها آثار غارقة وكذلك جزيرة صير بني ياس حيث يوجد بها موقع أثري وكنيسة ..كما ان اكتشاف منازل عمرها 7 آلاف عام في جزيرة مروح يعتبر مدخلا هاما لفرضية ان هناك مدنا إماراتية قديمة وآثارا ربما تكون غارقة في مياه الخليج .

وشهدت السواحل والخيران قيام جل حضارة الإمارات وهي مناطق قديمة قدم الحياة في المنطقة إلا أنها دفنت ودمرت أمام تدخل الإنسان وإصراره على بناء المدن الساحلية الحديثة فوقها أو بالقرب منها ليبقى التساؤل المشروع: هل تطرح أمواج الساحل الإماراتي لغزا جديدا في تاريخ الإمارات القديم والحديث .

وحول تاريخ الساحل الإماراتي يقول الدكتور حمد محمد بن صراي الأستاذ المشارك في قسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات العربية المتحدة: / بلا شك أنه في منطقة الإمارات وعموم منطقة الخليج العربي كانت توجد مدن ساحلية وداخلية ازدهرت في فترة من فترات التاريخ ثم اختفت أو أفل نجمها أو لم يبق إلا بعض آثارها .

ويضيف: أهم المدن الإماراتية الساحلية التي جاء ذكرها حسب الحقب التاريخية سواء في التاريخ القديم أو العصرين اليوناني والروماني وفي عصور ما قبل الإسلام ثم العصور الإسلامية ثم أيام البرتغاليين والإنجليز هي بالترتيب جلفار ودبا وخورفكان ورأس الخيمة والصير .

وفيما يتعلق بقصة ظهور بعض المدن الساحلية على الخرائط القديمة واختفائها الآن.. يضيف: هذا الكلام ينطبق على مدينة /زور/ التي ظهر أسمها على بعض الخرائط البرتغالية في الجزء الشمالي من الساحل الإماراتي.. ومضى يقول: //أرى ان الاسم تحريف لاسم الصير/ .

وفيما يتعلق بذكر مدن كثيرة لا وجود لها الآن مثل الوصل وغناضة والفشت.. يجيب: هذه الظاهرة توجد في العالم أجمع وهي ظاهرة طبيعية تحدث لأسباب كثيرة منها انتقال طرق التجارة التي كانت تقع عليها مثل تلك المدن أو تغير أماكن الإنتاج التي كانت تعتمد عليها مثل هذه المواضع مما أدى إلى انتقال السكان منها كما قد يكون الجفاف والأحداث الطبيعية الأخرى من الفيضانات والتصحر سببا وجيها بالإضافة إلى السبب الأكثر واقعية وهو غلبة مياه البحر على السواحل .

ويتابع بن صراي: فمثلا مدينة جلفار ذكرت في المراجع ودونت في التاريخ واختفت من الوجود فجأة وأصبحت لا تذكر والأسباب معروفة وهي أن هذه المدينة تعرضت على مر تاريخها الطويل لأحداث عسكرية وإدارية وسياسية كثيرة جعلتها عرضة للأفول إضافة إلى ما أصاب البلدة من تدمير أثناء عمليات التحرير من الاحتلال البرتغالي كما أن السكان غيروا مكان استيطانهم من جلفار إلى رأس الخيمة الحالية .

ويضيف: الظهور ثم البروز ثم الازدهار ثم السقوط والانهيار مراحل طبيعية تمر بها كثير من المدن فمنها ما يزول ويختفي ومنها ما يظل قائما وقد يأتي الزوال أحيانا متدرجا وأحيانا يكون عاما .

ولكن هذا الساحل مازال حتى يومنا هذا هو عنوان الحضارة وسر الوجود ورئة التطور إذ يحتضن هذا الشريط الساحلي سبع مدن من بين الأسرع نموا والأكثر تألقا على خارطة المدن العالمية فتمتد بامتداد الساحل المباني الهندسية والعمرانية الفارهة من أبراج وناطحات سحاب وفنادق مشيدة تحت المياه ..هذا ويصل طول البرج أحيانا إلى أكثر من 600 متر .

**********———-********** وحازت الإنشاءات الضخمة على الساحل مثل قصر الإمارات وحلبة ياس وجزيرة السعديات وبرج خليفة وأبراج الإمارات وفندق برج العرب سمعة وشهرة عالمية واسعة وجذبت كثيرا من مهندسي المعمار من جميع أنحاء العالم إلى المنطقة بهدف تشييد منشآت مميزة ملفتة للأنظار .

وعلى الساحل تقع العاصمة السياسية /مدينة أبو ظبي/ والعاصمة الاقتصادية /مدينة دبي/ وبجوارها العاصمة الثقافية /مدينة الشارقة/ تتمايز عن كل مدن الشرق بالحداثة المتفردة وبالمشاريع التي تمضي بسرعة مبهرة للعالم ..ومدينة ابوظبي تعتبر اليوم مثالا عالميا لفكرة بناء وتطور المدن الساحلية من خلال إعادة النظر في فكرة توظيف الساحل وإعادة تشكيل وتطور المكان في ضوء الضرورة والرغبة لتنمية المكان وتحقيق الحداثة .

هذا الساحل العريق أعطى مدينة أبو ظبي الحديثة بعدا إنسانيا وسياسيا وثقافيا وساهم في حسن التأصيل العمراني والممارسة الاجتماعية والاقتصادية والتجارية وفتح مجالا للبحث عن مرجعيات لتأريخ هذا المكان والغوص في مياه هذا الساحل لأنه مكان احتضن حضارتها القديمة وشاهد على آثارها وعراقتها وحداثتها .

وتحولت أبو ظبي منذ ستينيات القرن الماضي وبعيد اكتشاف النفط إلى مدينة عصرية تحف بها الحدائق الغناء والفنادق الضخمة والمباني الشاهقة تحقيقا لرؤية وطموحات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان /طيب الله ثراه/ ..والآن تسارعت خطى التطور فيها حتى أصبحت في غضون عقد من السنوات واحة أعمال مزدهرة تستقطب اهتمام العالم وتلهم العالم بإنشاء مدن مشابهة .

وتعيش أبو ظبي في الوقت الحاضر مرحلة نهضة حقيقية بتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ومتابعة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لتواصل مسيرة النمو والتنمية ومضاعفة دور الإمارة ضمن الخريطة الاقتصادية والثقافية والسياحية العالمية .. إذ تعتزم حكومة أبو ظبي جعل العاصمة من أفضل مدن العالم عمرانيا وسياحيا وفقا لخطة أبو ظبي للتنمية المستدامة التي تنتهي بحلول عام 2030 .

على الساحل وفي هدوء تعيد أبوظبي التاريخ من جديد ودبي تصنع الفرق إذ يلوح في أفق الساحل البعيد /برج خليفة/ أطول ناطحة سحاب في العالم عاليا في سماء دولة الإمارات ليضيف إلى أمجادها الكبيرة مجدا جديدا باعتباره أول مدينة عمودية متكاملة في العالم ويتجلى فيه تناغم الإبداع الهندسي والعناية بالتفاصيل والقيمة الجمالية الاستثنائية .

ومن هذا الساحل نهض وارتفع برج خليفة الأعلى في العالم وأضحت دبي مفخرة للمدن العربية وحديثا لا يتوقف في العالم أجمع وأصبح ساحل الإمارات يمتلك أرقى وأعلى ناطحة سحاب في العالم وماردا معماريا يضرب بأساساته في جذور الحضارة ويشمخ فوق أغلى كيلومتر مربع على سطح الأرض في العالم .

 

وام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى