«الجاسوس الذي تخلى عني».. فيلم يغلِّف الأكشن بالكوميديا

مارلين سلوم

بعض الأفلام يضل طريقه فينطلق متعرجاً غير مستقر، ويعكس حيرة صنّاعه أمام رغبتهم الملحة في جعل العمل شاملاً، يجمع كل الألوان السينمائية، ويمزج بين الهزل والجد، كما هو الحال مع «الجاسوس الذي تخلى عني». فيلم يجمع بقبضة واحدة: الأكشن والجاسوسية والعنف والجريمة والكوميديا. ينطلق مهزوزاً ثم يسحبك نحو المتعة الحقيقية والتشويق والضحك حتى النهاية.
الكاتبة والمخرجة سوزانا فوغل، تخوض تجربتها السينمائية الثانية في التأليف والإخراج – يشاركها في كتابة هذا العمل دايفد إيسرسون- بعد فيلمها الأول «لايف بارتنرز» عام 2014. متمرسة هي في العمل التلفزيوني، لذا تجدها في «الجاسوس الذي تخلى عني» تفرغ كل أفكارها وطاقتها دفعة واحدة، وكأنها تريد إثبات قدرتها على تقديم مختلف الألوان من الأكشن وصولاً إلى الكوميديا غير المفتعلة، حاملة في طيات أوراقها قضية إثبات قدرة المرأة على منافسة الرجل في السينما (تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً) خصوصاً في الأكشن وأفلام الجاسوسية.
في البداية تحسب أن الفيلم كوميدي ظريف، يسخر من أفلام الجريمة والجاسوسية، إلا أنك تكتشف أنه يغلف العنف بالكوميديا، وما أن تبدأ بالتوتر والتأثر بمشاهد القتل بكل الوسائل من الرصاص بالمسدسات والرشاش إلى الخناجر والذبح والشنق والتقطيع.. حتى يحدث ما يدفعك للضحك من القلب. وكما يوحي لك العنوان، فإن الجاسوسية هي النقطة الأبرز والتي تنطلق منها الأحداث لتكرس في النهاية النجمتين ميلا كونيس وكايت ماكينون ومعهما النجم التلفزيوني سام هيوغن أبطالاً جدد لأفلام الجاسوسية. وفي كل المشاهد تقدم لك المخرجة هيوغن بشكل الجاسوس الهادئ الشديد الوسامة والأناقة، بينما هو في الحقيقة قوي يقاتل ويقتل عشرات الرجال وبالكاد يصاب في كتفه، ليكون بعد هذا الفيلم الممثل المرشح بقوة لأداء شخصية «جيمس بوند».
ليس هيوغن الوحيد الذي يذكّرنا بجيمس بوند في هذا الفيلم، فكثير من المشاهد تشعر بأنها مستوحاة أو تحاكي أفلام سلسلة 007، لاسيما وأن المسؤولة عن جهاز المخابرات والتي تدير العملية وفريقها المكوّن من سيباستيان (هيوغن) ودافر (حسن منهاج) هي سيدة «وندي» (جيليان أندرسون). سوزانا فوغل تجعل من المرأة الركيزة الأساسية، تخطط وتنفذ وتعمل بذكاء رغم مظهر الطيبة والسذاجة الذي تبدو عليها. حتى القاتل المحترف والذي يتم تأجيره في مثل هذه النوعية من الأفلام لقتل «الهدف» بلا أي رحمة أو شفقة، جعلته فوغل امرأة وأوكلت الدور إلى الممثلة الأوكرانية إيفانا ساخنو لتؤدي شخصية «ناديا» ببراعة، وتبدو مثل روبوت ينفذ الأوامر بحرفية ومنتهى الإجرام. تبدأ القصة من الاحتفال بعيد مولد أودري (ميلا كونيس) والمفاجأة التي تعدها لها صديقتها التي تكاد لا تفارقها مورغن فريمن (كايت ماكينون). أودري تشعر بالاكتئاب بسبب هجر حبيبها درو ثاير (جاستن ثيرو) لها. في المقابل نرى درو في مطاردات حامية يقفز ويخوض المغامرات القتالية، فتدرك دون أي كلام أنه عميل سري. فجأة يظهر سيباستيان (هيوغن) ليكشف لأودري أن حبيبها هو جاسوس وأنه في خطر. يعود درو ليأخذ أغراضه من منزل أودري فيُقتل وتجد الصديقتان نفسيهما في ورطة كبرى، تجبرهما على الانتقال من ليتوانيا إلى براغ فباريس وبودابست ثم أمستردام وبرلين.. فعلياً يتنقل الفيلم بين عدة دول، لتزداد الأحداث تعقيداً والمغامرات تصبح أكثر تشويقاً.
ميزة الفيلم أنه يجيد ربط كل الخيوط ببعضها بعضاً، ويخفي الأسرار دون أن يترك الجمهور مشوَّشاً داخل متاهة لا لزوم لها. يجعلك تشك بكل الشخصيات باستثناء الشابتين اللتين تتعلمان الحذر من الجميع وعدم الوثوق بأحد، والأهم تحكيم العقل لمعرفة كيفية التصرف واكتشاف الكاذب من الصادق وسط هؤلاء الجواسيس والمنظمات التي تطارد بعضها بعضاً. تنتقل أودري ومورغن من البراءة والسذاجة إلى الحنكة والتمرس في أعمال الجاسوسية، وتنقلب حياتهما رأساً على عقب، دون أن يحدث أي خلل في طبيعة علاقتهما كصديقتين أشبه بالأختين، وهو ما يشدد عليه الفيلم منذ البداية، ليؤكد أهمية الصداقة الحقيقية، وكيف تكون فعلاً لا قولاً في السراء والضراء، دون أن تسقط أمام أي من مغريات الحياة أو بفعل الظروف الصعبة.
من العيوب المهمة في «الجاسوس الذي تخلى عني» كم الألفاظ والكلام البذيء والإيحاءات الصريحة وتلك المبطنة، والتي تجعل مشاهدته من قبل الأطفال غير مستحبّة. لولا هذه النقاط لاستطاع الفيلم أن يصل بسهولة إلى مختلف الفئات. كما أن الإحساس الذي ينتاب المشاهد بالملل في البداية يضعف أيضاً من تقييم الفيلم، الذي يكمل سيره صعوداً ليتحوّل إلى أكشن عال بعد انتهاء ربعه الأول، ويصل إلى الختام بنفس نسبة التشويق العالية والتي توحي بأن هناك جزءاً ثانياً للفيلم.

ماكينون وكونيس بين الهزل والجد

قد تحتار في تصنيف «الجاسوس الذي تخلى عني»، كما يحتار الجمهور في تقييمه بين المتوسط والجيد، إلا أنك بلا شك ستستمتع في المشاهدة وتضحك وتتفاجأ بالأحداث، وتنتظر أن ترى الثلاثي أودري ومورغن وسيباستيان في مغامرة جديدة. النجاح لا ينسب فقط لسوزانا فوغل، بل إن ميلا كونيس وكايت ماكينون شكلتا ثنائياً جميلاً، وقدّمتا أداء عالياً سواء في الحركة والأكشن أو في شخصيتي الشابتين الساذجتين. ميلا المتزوجة من النجم الأمريكي آشتون كاتشر تملك كاريزما انطلقت شهرتها في السينما الأمريكية بفيلم «فورغتنغ سارة مارشال» عام 2008، وحصدت جائزة أفضل ممثلة دور ثاني عن فيلم الرعب «ذا بلاك سوان» أو «البجعة السوداء» (2010). أما ماكينون فهي ممثلة كوميدية محترفة، حازت جائزة «أيمي» كأفضل ممثلة كوميدية مساعدة عن برنامج «ساترداي نايت لايف»، وملامحها وأسلوب أدائها يميل إلى التهريج والسخرية أكثر من الجدية، على عكس ميلا التي تملك خفة ظل لكنها أكثر جدية. الثنائي يتوافق وينسجم في مثل هذه النوعية من الأفلام التي تجمع بين الكوميديا والدراما أو الكوميديا والأكشن والجريمة.

marlynsalloum@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى