«الأسد الملك ».. ثورة جديدة في صناعة السينما

مارلين سلوم

إنه «الثورة الجديدة» في صناعة السينما، فتح طريقاً سيسلكه كثير من المخرجين والمنتجين العالميين من بعده. قد لا تكون أنت من العارفين بتقنيات السينما، وتطوراتها، وإمكاناتها الحديثة، لكنك بلا شك واحد من هؤلاء الملايين الذين خرجوا من الصالات بعد مشاهدة «الأسد الملك»، مذهولين، مستغربين، متسائلين: هل ما رأيناه فيلم يجمع بين التوثيق والخيال، أم تحريك من نوع مختلف؟ كيف صنعوه فجعلوا تلك الحيوانات تتكلم، وتمثل، وتتحرك لتأدية أدوارها بكل هذا الإتقان؟ كل ما تعلمه، أنك سعيد، وأن هذا العمل يستحق المليار دولار أمريكي (أو أكثر) الذي حققه حتى الآن، كإيرادات حول العالم.
يبدو أنه عام «ديزني» بامتياز؛ فبعد «أفنجرز: أند جايم»، و«كابتن مارفل»، و«علاء الدين»، جاء «الأسد الملك» ليتوج إنجازات هذه الشركة العالمية، قافزاً بما حققه من نجاح، وأرباح فوق تلك الأعمال، وما سبقها، خصوصاً تلك التي حولتها الشركة من رسوم كرتونية إلى واقعية، مع شخصيات وأبطال من لحم ودم. ولعل أكثر ما يميز «الأسد الملك»، ليس نجاحه الضخم جماهيرياً فقط، بل صناعته التي تخطت الخيال، وتجاوزت كل الصعاب الإنتاجية، بفضل إصرار المخرج جون فافرو، على تصوير الفيلم في بيئة افتراضية ثلاثية الأبعاد، مع فريق يعمل وهو يضع نظارات الواقع الافتراضي، وآخرين يستخدمون التقنيات بالكمبيوتر، بجانب الأساليب التقليدية، والكاميرات المحمولة، والرافعات.. إضافة طبعاً إلى الأساليب المعروفة بمحركات الألعاب، التي يستخدمها مطورو الألعاب الإلكترونية، مثل «فورتنايت».
إنها الخدعة التي اعتمدها المخرج فافرو، ومعه آدم فالديز، المشرف على المؤثرات البصرية، لجعلك تصدق أن الفيلم يجمع بين العالمين الافتراضي، والواقعي، بمزجه بين التحريك والتصوير، بينما هو في الحقيقة فيلم «افتراضي» بامتياز، وصلت تكلفته الإنتاجية حدود إلى 260 مليون دولار. وهذه المجازفة ستدخل تاريخ الصناعة السينمائية، لأن الأسلوب التكنولوجي الجديد، سيسمح للشركات بخفض تكاليف الإنتاج، وتوفير الوقت، والتخطيط بشكل أفضل لتصوير مشاهد فيها الكثير من الابتكار، والفن.
المعروف أن النسخة الأولى من «الأسد الملك» حققت نجاحاً جماهيرياً عام 1994، مع المخرجين روجر أليرز، وروب مينكوف، فحصل على الكثير من الجوائز، أبرزها جائزتا أوسكار عام 1995 عن أفضل موسيقى، وأفضل أغنية «هل تستطيع أن تشعر بالحب الليلة؟». وحصل عام 2004 على جائزة «بافتا» لأفضل شريط ترفيهي عائلي، بعد صدوره على أقراص «دي في دي». وقد تعمّد صناع النسخة الجديدة، الحفاظ على الشكل الكلاسيكي للعمل، وروحه الأصلية، واضعين في الاعتبار أن طفل العام 2019 أكثر وعياً ومعرفة بكواليس الفن السابع، وتقنياته، والتكنولوجيا، وأدواتها. لذا نجح «الأسد الملك» في الوصول إلى قلوب الصغار والكبار، خالقاً نوعاً من التعاطف بين الجمهور والمخلوقات غير الآدمية.
أمام هذا الإبداع والتطور، تسرع للبحث عن فريق العمل، وكل من وقف وراء نجاح الفيلم، فتكتشف أن قائمة أسماء فريق «الخدع البصرية»، أو المؤثرات البصرية هي الأطول، حيث تضم أكثر من 380 شخصاً، عدا عن فريق التحريك «أنيمايشن» الكبير أيضاً. ومما يدهشك في هؤلاء الحرفيين الذين يجيدون الصناعة على أصولها، عدم الاستخفاف بأي تفصيل، حتى الموسيقى، والأغاني، خصص لها فريق من 76 شخصاً، ما بين عازفين ومغنين، من بينهم بيونسيه، (نالا)، ودونالد جلوفر، (سمبا)، مع الاحتفاظ بالممثل جيمس إيرل جونز الذي أدى صوت «موفاسا» في الفيلمين القديم، والجديد.
كثيرة المبادئ والقيم التي يرسلها فريق كتابة القصة جوناسون روبرتس، ليندا وولفرتون، إيرين ميتشي، برندا شابمان وجيف ناتاسون، إلى الجمهور، خصوصاً الأطفال، أغلبيتها يتركز في الحوارات المتواصلة بالقوة والعمق نفسيهما، منذ البداية، وحتى النهاية، أي مع ولادة الشبل سمبا، ومرافقته لوالده الملك الأسد موفاسا، في جولاته، وصولاً إلى مقتل الأب على يد أخيه الشرير سكار، وهروب سمبا، وتخاذله، فيتخلى عن طبيعته، ودوره كملك، وكأسد، ثم النهاية التي يعود فيها الحق إلى أهله، مع عودة سمبا، وتحديه لكل المتربصين بأمّه، ورعيته، وأملاكه.
من الحوارات المهمة ما يقوله موفاسا لابنه خلال تعريفه بممتلكاته، والمقصود بها كل الغابة الممتدة إلى البعيد، والتي يطلقون عليها «برايد لاند»، فيقول له ما معناه: أنا لا أملك شيئاً، إنما أنا أحمي هذه الممتلكات.. وبينما يبحث الآخرون عما يمكنهم أخذه، يبحث الملك الحقيقي عما يمكنه تقديمه. ثم يوصيه بأن يأخذ مكانه في دائرة الحياة، ويقصد بها استلام ابنه من بعده، ورحيله الآتي يوماً ما لتشرق شمس صغيرة.
تساؤلات سمبا الصغير مع أخطائه البريئة، وسعيه لإثبات شبهه بأبيه، وأنه ملك مثله، بينما هو ما زال صغيراً، وضعيفاً، تجسد المراحل التي يمر بها الإنسان، من البراءة، ثم الطيش، والرغبة في كسر القواعد، وعدم طاعة الوالدين، كأنها دليل على انتقاله من مرحلة الطفولة إلى تحمّل المسؤولية،، والنضج. وقتل الأخ لأخيه، والتآمر، وغلبة الشر أحياناً، تترك أثرها في الأطفال فيزدادون حماساً لعودة سمبا من المنفى الذي اختاره لنفسه، ومحاربته من أجل استرجاع حقه، ومملكته.. هذه المرحلة تعتبر الذروة، يتفاعل معها الجمهور في الصالات بشكل كبير، وتساهم المؤثرات الصوتية، والموسيقى، والأغاني، في رفع الإحساس بالحماس، والتشويق.

marlynsalloum@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى