اكتئاب الأطفال يسلبهم السعادة

يتساءل كثير من الآباء هل يصاب الأطفال بالاكتئاب؟
كان في اعتقاد الخبراء أن الاكتئاب مرض يصاب به البالغون والكبار فقط، إلا أن الإحصائيات كشفت أن الاكتئاب يصيب المراهقين وحتى الأطفال الصغار، وهو الأمر الذي يتطلب منهم الحصول على علاج.
بحسب الإحصائيات فإن 3 من أصل 100 طفل صغير و9 من أصل 100 مراهق يعانون من درجات مختلفة من الاكتئاب، ولا يزال العديد من الأطفال الصغار لا يحصلون على العلاج الذي يحتاجون إليه، ويعود ذلك إلى وجود صعوبات في تمييز الاكتئاب عن الحالات المزاجية فقط، كما أن الطفل المصاب يظهر بأعراض مختلفة عن البالغين، ويعرف الأخصائيون الاكتئاب عند الأطفال بأنه اضطراب شديد في الحالة المزاجية يمكن أن يسلب سعادة الطفل.
والطبيعي أن يكون الطفل متقلب المزاج، كما يمكن التوقع أن يشعر بالحزن بعد موت حيوانه الأليف أو الانتقال إلى مدينة جديدة، لكن استمرار هذه المشاعر مدة طويلة يمكن أن يشكل علامة على الاكتئاب، وفي هذا الموضوع سوف نتناول تفاصيل مرض الاكتئاب لدى الأطفال، وطرق اكتشافه وتشخيصه وأساليب العلاج النفسية التي يمكن أن تتبعها الأم، ومضاعفات إهمال هذه المشكلة واعتبارها حالة عابرة مع بيان كيفية الوقاية منها.

المرحلة العمرية والتفاعل

تشبه أعراض الاكتئاب في الأطفال نظيرتها في البالغين، إلاّ أن الأمر عند الأطفال لا يتطور إلى الاكتئاب الشديد مثل البالغين، ويختلف تعبير الطفل عن معاناته باختلاف العمر، ففي حالة الأطفال الصغار يمكن أن يعانوا من هلاوس سمعية أو شكاوى جسدية، في الأكبر سناً ومن هم على مشارف سن المراهقة تتسم تصرفاتهم باللامبالاة في أمور الحياة المختلفة، ويتقلص نشاطهم الحركي، ومن الجائز أن يعانوا من ضلالات أو أفكار تدور حول الشعور باليأس.
ويتجلى دور المرحلة العمرية في مدى تفاعل المريض مع الأعراض، فمثلاً إذا خطرت فكرة الموت على ذهن الطفل فمن النادر أن يستطيع وضع خطة لتنفيذ عملية انتحار، عكس المراهق أو الأكبر سناً، ومن الممكن أن يتراوح الاكتئاب عند الأطفال بين المعتدل والحاد.
والطفل الذي يشعر بالحزن الخفيف لمدة عام أو أكثر، يمكن أن يعاني نوعاً خفيفاً لكنه مستمر يسمى الاكتئاب الجزئي، وتظهر على الطفل المصاب بالاكتئاب عدد من العلامات والأعراض، فتجده سريع الانفعال أو الغضب، ويعاني مشاعر مستمرة من الحزن واليأس ويبكي بسرعة، أو يعاني من الملل معظم الوقت، لا يجد متعة في الأشياء التي كان يستمتع بها من قبل، ويمكن أن يحدث لديه حالة من عدم الانتظام في النوم، فتجده مصاباً بالأرق أو يكثر من النوم، وكذلك من ناحية الوزن فتجد زيادة في الوزن أو انخفاضاً شديداً واضحاً، كما أنه يشعر بالعجز والتفاهة أو الذنب، وكذلك يجد صعوبة في التركيز والتفكير واتخاذ القرارات، ويمكن أن يفضل الطفل المصاب بالاكتئاب، قضاء وقت طويل بمفرده، كما أنه يميل للتشاؤم ويكثر من التفكير بالموت والانتحار، وفي الأطفال الصغار يمكن أن يكونوا خاملين ومنعزلين، ومن الجائز أن يظهروا قليلاً من العواطف، ويظهروا وكأنهم يشعرون بالعجز، كما أنهم يجدون صعوبة في النوم.

المراهقون وسن المدرسة

يعاني الأطفال في سن المدرسة من الصداع أو آلام المعدة المتكرر، ومن الجائز أن يفقدوا الاهتمام بالأنشطة التي كانوا يحبونها في الماضي، ويفقدوا كذلك الاهتمام بالأصدقاء، وفي بعض الحالات التي تعاني من الاكتئاب الشديد يمكن أن يرى الطفل المريض أو يسمع أشياء ليست موجودة، وهي الهلاوس أو يطور إلى معتقدات خاطئة وأوهام.
أما بالنسبة للمراهقين نجدهم يكثرون النوم أو يتحدثون بطريقة أبطأ من المعتاد، ويمكن أن يصاب من يعانون من الاكتئاب الشديد بالأوهام والهلوسة، ويشير الأطباء إلى أنه إذا توافرت 5 أعراض واستمرت مدة 15 يوماً، فإن الطفل في هذه الحالة يعاني من مشكلة الاكتئاب، وعلى الوالدين استشارة الطبيب للتأكد أن ما يعانيه ليس له أسباب عضوية، لأنه يمكن أن يحتاج علاجاً نفسياً أو دوائياً أو كليهما معاً.
وعامة فإن الاكتئاب لن يزول دون الحصول على العلاج المناسب، ويرى كثير من الأطباء أنه لا يزال السبب وراء إصابة الأطفال بالاكتئاب غير واضح أو مفهوم، ويمكن أن يرتبط هذا المرض بوجود خلل في توازن المواد الكيميائية في الدماغ ما يؤثر على الحالة المزاجية.
وتشمل العوامل المؤثرة في توازن هذه المواد الكيميائية أحداثاً مجهدة، مثل وفاة أحد أفراد الأسرة أو طلاق الوالدين أو تغيير المدرسة، أو تناول أدوية معينة مثل الأدوية المخدرة المضادة للألم، كما أن الجانب الوراثي يلعب دوراً في الإصابة بالاكتئاب إذا كان هناك تاريخ عائلي.
ويمكن أن يصاب الطفل بالاكتئاب إذا كانت المرأة الحامل مصابة به، وتلعب بعض العوامل النفسية دوراً في الإصابة، مثل قلة الثقة بالنفس والانتقاد الدائم للذات والشعور أنه ليس بإمكانه القيام بأي مهمة، وكذلك من يعاني مشاكل في التعليم يمكن أن تكون نسبة إصابتهم بالاكتئاب أعلى من أقرانهم، ويكون عرضة أكبر للإصابة بالاكتئاب الطفل قليل الحركة أو ذو المستوى الدراسي المنخفض، وكذلك الأطفال المصابون ببعض الأمراض مثل السكري أو الصرع.

نفسي ودوائي

تلعب الأسرة والبيئة المحيطة دوراً مهمّاً في علاج الطفل المصاب بالاكتئاب، يختلف عن دورها في علاج الاكتئاب لدى البالغين، وتتفق خيارات العلاج المطروحة في علاج البالغين مع الأطفال، حيث يتضمن العلاج شقين: الأول نفسي والثاني دوائي.
وتشير الدراسات إلى أن الجمع بين الشقين يحقق نتائج أكثر فعالية، غير أن طبيب الأطفال يمكن أن يقترح البدء بالعلاج النفسي أولاً، ويؤجل استخدام الأدوية في حالة عدم نجاح العلاج النفسي في إحداث التقدم الملحوظ، وتتحسن أعراض الاكتئاب بخضوع الطفل المصاب لجلسات العلاج المعرفي السلوكي، والتي تهدف لتغيير المعتقدات والأفكار التي تعيقه عن التأقلم مع ضغوط الحياة اليومية، وتعليمه مهارات مواجهة الأمور الصعبة وحل المشاكل بطريقة سلسة، وتعني بصورة أدق، تصحيح الانحرافات. والتشوهات المعرفية التي تبناها الطفل المكتئب، مثل الشعور بالإحباط والفشل وأنه لا أمل والنظر لنفسه بنظرة سلبية وغير ذلك.
تساعد تمارين الاسترخاء في حالات الاكتئاب البسيطة والمتوسطة، وتظهر نتائج الاسترخاء على المدى البعيد، وكلما زادت مدة التمارين شعر المريض بالتحسن، ويمكن أن يحتاج المريض للخضوع فترة طويلة لهذه التمارين.
وتعتبر مجموعة الأدوية التي يطلق عليها مثبطات استرجاع السيروتونين، هي خط الدفاع الأول في الأطفال والمراهقين خاصة في الحالات المتوسطة والشديدة، وينصح باستمرار المريض على أدوية الاكتئاب فترة لا تقل عن عام للأطفال والمراهقين الذين بدأت علامات التحسن تظهر عليهم، ويفضل التوقف عن الدواء تحت إشراف طبي، وفي فترة لا يشوبها أي ضغوط عائلية أو نفسية أخرى.
ويعتبر دخول الطفل المستشفى ضرورة في حالة مصاحبة الأعراض لتعاطي المواد المخدرة أو وجود أفكار أو محاولات انتحارية، ويجب على المرأة الحامل الابتعاد عن أي مؤثرات يمكن أن تصيبها بالاكتئاب، حتى لا يتأثر بها الجنين بعد الولادة، وعلى الوالدين أن يستمعا للطفل حتى يعرفا إن كان يعاني من مشكلة ما، ولا يجوز أن يقلّلا من أهمية المشكلة.
وفي حال فشل الوالدين في حل المشكلة التي يعاني منها الصغير، فيجب مراجعة الطبيب المختص للمساعدة في التعامل مع الطفل المصاب بالاكتئاب، وعلى الوالدين الحرص في التعامل مع الطفل، حتى لا ينقلا له قلقهما فذلك يمكن أن يؤثر سلباً عليه، ويجب أن يشعر الطفل أن والديه بجانبه دائماً ويشعر باهتمامهما ويحظى بالحب والاحترام مهما كان سنّه.

مزيج من العلاج

أثبتت دراسة حديثة أن أفضل طرق علاج الاكتئاب هي خضوع المريض للعلاج الدوائي، جنباً إلى جنب مع العلاج المعرفي السلوكي، وأجريت الدراسة على 450 طفلاً ومراهقاً يعانون الاكتئاب، تراوحت أعمارهم بين 11 إلى 16 عاماً، وتم تقسيم المبحوثين إلى ثلاث مجموعات، حيث خضعوا لمدة 12 أسبوعاً من العلاج، المجموعة الأولى تلقت علاجاً دوائياً فقط، والمجموعة الثانية تلقت علاجاً نفسياً فقط في صورة علاج معرفي وسلوكي، والمجموعة الثالثة تلقت النوعين من العلاج الدوائي والمعرفي السلوكي، ومع نهاية فترة البحث تمت إعادة تقييم المبحوثين، وتبين أن أفضل نتائج كانت في المجموعة الثالثة التي تلقت العلاج النفسي، إضافة إلى الدوائي، حيث بلغت نسبة التحسن 71%، في حين أن التحسن في المجموعة الأولى التي تلقت علاجاً دوائياً فقط بلغ 61%، وكانت نسبة التحسن في المجموعة الثالثة التي تلقت علاجاً نفسياً فقط 43%، وأثبتت دراسة حديثة أن ما تبلغ نسبته 10% من الأطفال يعانون الاضطراب النفسي، وأن 4% يعانون الاكتئاب وذلك في الفترة العمرية من 5 سنوات وحتى 16 عاماً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى