بحثاً عن الأزياء

0

باسمة يونس

كما تفعل النساء عادة، شغفت «يديدا ستيلمان» بالبحث والتنقيب عن الثياب في كل مكان، ولكن الفارق بينها وبينهن أنها لم تكن تبحث عن ثيابها في الأسواق، أو على أرفف المتاجر في مراكز التسوق، بل كانت تبحث عنها بين قوائم الأعراس التي يسجل فيها جهاز الزوجة قبل الالتحاق بمنزل الزوجية، وتجمع البيانات والمعلومات عن ثيابها المفضلة من مصادر فنية، وتاريخية مختلفة، تتضمن المخطوطات والوثائق العربية التي تتوفر في المتاحف الأوروبية، وفي مصر وفلسطين.
ولأن يديدا كانت، إضافة إلى ذلك، باحثة وشغلت عدة مناصب أكاديمية، وحملت عضويات أكثر من هيئة وجمعية أكاديمية دولية، فقد سخّر لها كل المال اللازم لتمويل بحوثها المتخصصة في الأزياء العربية، وتمكنت بسبب الكثير من المنح التي حصلت عليها من إنتاج العديد من الدراسات، وإصدار خمسة كتب أكاديمية متخصصة في الأزياء العربية، من فجر الإسلام إلى العصر الحديث. وقبل أن تنهي يديدا آخر كتابين لها، الأول عن تاريخ الأزياء والألبسة العربية، والثاني معجم موسوعي عن الملابس العربية، توفيت، ولم تتجاوز الحادية والخمسين من العمر.
ولم يمنع رحيلها زوجها الذي قضى معها أجمل سنين عمره من إكمال كتابها عن تاريخ الأزياء العربية الذي كانت معظم فصوله مكتوبة، ومعدّة للنشر، فرغم عدم شغفه بالأزياء كشغفها، واختلاف مجاله البحثي عن مجال بحوث زوجته الراحلة، فإنه كان يؤمن بأن البحث الذي بدأته يجب ألا يتوقف، وبأن ما كانت تجمعه من علوم ومعارف لأجل الآخرين يجب أن يبقى مستمراً.
وليس المقال للإشادة بمنجزات يديدا، أو زوجها، في مجال توثيق الأزياء العربية والإسلامية، ولكن للتذكير بأهمية البحث وقيمته في العالم. فيديدا التي تخصصت في الفن الإسلامي في معهد الفنون الجميلة في جامعة نيويورك، أنجزت أكثر من دراسة عن المتاحف، والأزياء، والمجوهرات الفلسطينية، وكانت تسافر في بعثات ممولة إلى الأردن وفلسطين لتملأ فراغات المتحف الدولي للفنون الفولكلورية بولاية نيومكسيكو، بالمقتنيات التي تجلبها لهم من الأردن وفلسطين. كما ساعدتها الدراسات وفائض المقتنيات التي كانت تشتريها من إقامة معرضها الأول، وإصدار أكثر من كتاب بتمويل من أكثر من منحة، لتملأ أرفف مكتبات المتاحف، وأيدي الباحثين بمادة دسمة عن الأزياء العربية، وسيرتها، وتفاصيلها عبر التاريخ.
فمتى سندرك أن البحث لن يتوقف عن كونه جانباً مهماً من جوانب الثقافة، وبوابة لمعرفة المزيد عن تاريخنا وتاريخ العالم من حولنا، وبأن ما يملأ الشبكة الإلكترونية من معلومات، لا يعادل ما تحتويه مكتبات المتاحف من ذخائر، وكنوز الفكر. ومتى سنجد مؤسساتنا التعليمية والثقافية تولي البحث اهتماماً فتمنح لأجله المال، والجهد، والوقت، والموارد البشرية لترفد مكتباتنا بدراسات أصيلة، ذات قيمة ثقافية، وفكرية عالية؟

basema.younes@gmail.com

Original Article

Leave A Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.